لا تشير الوقائع الميدانية حتى الآن إلى أن الدولة اللبنانية بدأت عملية فعلية لنزع سلاح حزب الله بالقوة، كما لا تثبت أن الجيش تحول إلى شريك للحزب في حماية ترسانته. ما يجري يقع في منطقة رمادية: تنسيق ميداني لتسلّم بعض المواقع والأسلحة، مقابل تجنب متعمد لأي مواجهة مباشرة قد تهدد الاستقرار الداخلي.
ويعرض الباحث ديفيد داود، في تقرير نشره موقع “لونغ وور جورنال”، تقديراً إسرائيلياً يفيد بأن الجيش اللبناني ينسق تحركاته داخل مناطق نزع السلاح التجريبية مع حزب الله، وأن هذا التنسيق يمتد، بحسب المزاعم، من قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى العناصر المنتشرة على الأرض.
واعتبر مصدر سياسي إسرائيلي أن آلية المناطق التجريبية “فشلت”، رغم أن القناة 14 الإسرائيلية، التي نقلت هذا التقدير، لم تقدم دليلاً مستقلاً يثبت وجود تنسيق بين الحزب وجميع مستويات المؤسسة العسكرية.
وتعود فكرة المناطق التجريبية إلى الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي رعته الولايات المتحدة في 26 حزيران، وينص على إخلائها من المسلحين والأسلحة والبنى العسكرية غير الشرعية، قبل أن يتولى الجيش وحده السيطرة العملياتية عليها.
إلا أن التقرير يرى أن العلاقة الميدانية بين الجيش وحزب الله ليست جديدة. فمنذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، أعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وجود “تنسيق عالي المستوى” مع الجيش، لكنه حصر تنفيذ الاتفاق بجنوب الليطاني، مؤكداً أن وضع سلاح الحزب في بقية لبنان يجب أن يُعالج عبر الحوار الداخلي.
كما تحدثت تقارير لبنانية عن اعتماد الجيش مقاربة تقوم على التواصل مع الحزب لا على انتزاع سلاحه بالقوة. وأفادت بأن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا نسق مع قيادة الجيش بعد وقف إطلاق النار، وأن الحزب طلب من عناصره مغادرة جنوب الليطاني وترك الأسلحة للجيش كي يتسلمها.
ويشبه هذا المسار ما حصل بعد حرب 2006، حين انتشر الجيش جنوباً ضمن تفاهم غير معلن يسمح لعناصر حزب الله بالعودة إلى قراهم شرط عدم إظهار السلاح. وكان الجيش يصادر السلاح الذي يعثر عليه، لكنه لم ينفذ عمليات تفتيش واسعة بحثاً عن الترسانة المخفية.
وفي 8 كانون الثاني 2026، أعلن الجيش إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني وفرض السيطرة العملياتية على المنطقة. لكن التطورات اللاحقة وضعت هذا الإعلان أمام اختبار صعب، بعدما استأنف حزب الله هجماته في 2 آذار وعاد إلى القتال في محيط الخيام.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على فتحات أنفاق جديدة وأسلحة ومواقع عسكرية للحزب، بينها نفق في رأس البياضة يزيد طوله على 140 متراً، ويضم غرفاً وفتحات عملياتية وأسلحة. وبحسب الرواية الإسرائيلية، استُخدمت هذه البنية حديثاً رغم أن عملية نزع السلاح كان يفترض أن تمنع بقاءها أو إعادة بنائها.
وردت الحكومة اللبنانية بإعلان جميع الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب غير قانونية، وأمرت بتسليم سلاحه، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها لا تريد الدخول في مواجهة داخلية.
وانعكس هذا التوجه في مواقف قيادة الجيش والرئاسة. فقد شدد العماد هيكل على أن الحل ليس عسكرياً فقط، فيما أكد الرئيس جوزاف عون أن حصر السلاح غير قابل للتفاوض، لكنه لن يتحقق عبر نزاع دموي أو حرب أهلية جديدة. في المقابل، أعلن قاسم أن أي مشروع لنزع سلاح الحزب “لن يمر”.
وتظهر حدود المقاربة اللبنانية بوضوح في المناطق التجريبية. ففي 9 أيلول، أعلن الجيش تحقيق السيطرة العملياتية على زوطر الغربية وفرون وصريفا وضبط نحو 1818 قطعة سلاح وذخيرة. إلا أن 1560 منها، أي نحو 86%، صُنفت ذخائر خفيفة من دون تحديد طبيعتها، كما لم يُعلن نزع سلاح أي عنصر من الحزب أو توقيفه، ولا تفكيك نفق أو مركز قيادة تابع له.
وعليه، فإن ما يجري ليس نزعاً كاملاً لسلاح حزب الله، ولا دليلاً على أن الجيش يعمل لمصلحته. إنها تسوية ميدانية تسمح للدولة بتوسيع انتشارها وتسلم ما يوافق الحزب على تركه، من دون امتلاك القدرة أو القرار السياسي لانتزاع ما يرفض تسليمه.
الجواب إذاً هو أن المواجهة ليست مقررة حتى الآن، بل مؤجلة عمداً. أما التنسيق فهو وسيلة لإدارة مرحلة هشة، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار قادر على إنهاء سلاح حزب الله وفرض احتكار الدولة للقوة.

