في كل مرة تتعرض فيها إيران لضربة أميركية، تتجه الأنظار تلقائياً إلى القواعد المنتشرة في الخليج. لكن طهران بدأت خلال الفترة الأخيرة تغيير خريطة ردودها، فخففت الضغط المباشر على دول الخليج، ودفعت بالأردن إلى مقدمة الساحات المستهدفة.
ظهر هذا التحول بوضوح عندما أطلق الحرس الثوري 20 صاروخاً بالستياً باتجاه الأراضي الأردنية، وفق الرقم الرسمي الذي أعلنه الجيش الأردني. وتمكنت الدفاعات من اعتراض 18 صاروخاً، بينما سقط اثنان في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية من دون تسجيل إصابات.
وجاء الهجوم بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية تدمير 5 ناقلات نفط إيرانية، رداً على محاولتين لاستهداف سفينة حربية أميركية بصواريخ بالستية. وقال الحرس الثوري إن الصواريخ التي أطلقها كانت تستهدف قاعدة أميركية داخل الأردن.
لكن اختيار الأردن لا يبدو مرتبطاً فقط بوجود قوات أميركية على أراضيه. فالقواعد الأميركية منتشرة أيضاً في قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية، وبعضها أقرب جغرافياً إلى إيران وأسهل استهدافاً من الأراضي الأردنية.
وتطرح قراءة نشرتها القناة 14 الإسرائيلية تفسيراً يقوم على أن طهران تحاول ترميم علاقاتها مع دول الخليج وتجنب إعادة توحيدها خلف الولايات المتحدة. فإيران، رغم التوتر والتهديدات السابقة، تحتاج إلى إبقاء قنوات سياسية واقتصادية مفتوحة مع جيرانها الخليجيين، خصوصاً تحت ضغط الحرب والعقوبات والقيود المفروضة على صادراتها النفطية.
أما الأردن، فلا يحتل المكانة نفسها في الحسابات الإيرانية. فالعلاقة بين البلدين بقيت باردة ومتوترة، كما تنظر طهران إلى المملكة باعتبارها جزءاً من البنية الأمنية الأميركية في المنطقة وشريكاً لإسرائيل في اعتراض المسيّرات والصواريخ الإيرانية.
اختيار هدف بعيد يحمل أيضاً رسالة عسكرية. فمن خلال إطلاق صواريخ تعبر مسافة طويلة نحو الأردن، يحاول الحرس الثوري إظهار أن قدراته لا تزال قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، على الرغم من الضربات التي تعرضت لها منظوماته العسكرية.
لكن لهذا الخيار مخاطر كبيرة. فالأردن ليس مجرد ساحة لقواعد أميركية، بل دولة تقع بين العراق وسوريا وإسرائيل والسعودية. وأي خطأ في مسار الصواريخ أو عمليات الاعتراض يمكن أن يفتح جبهة إضافية أو يؤدي إلى سقوط ضحايا داخل المملكة أو في الدول المجاورة.
كما أن مرور الصواريخ في مجال قريب من إسرائيل يدفع منظوماتها الدفاعية إلى حالة استنفار، ويمنحها مبرراً إضافياً للتدخل أو تنفيذ ضربات استباقية ضد إيران.
وبذلك، يبدو أن طهران تحاول تنفيذ معادلة دقيقة: ضرب الولايات المتحدة من دون استعداء الخليج كله، وإظهار مدى صواريخها من دون استهداف إسرائيل مباشرة، واستخدام الأردن كساحة ضغط محسوبة.
إلا أن الصواريخ لا تعترف دائماً بالحسابات السياسية. وما تعتبره إيران رداً مضبوطاً قد يتحول، مع صاروخ واحد يسقط في المكان الخطأ، إلى حرب لا تبقى حدودها داخل الأردن.

