يسود الشارع اللبناني، كما الأوساط العسكرية والسياسية، غضب واستهجان شديدان على خلفية التطورات المتلاحقة التي تطال المؤسسة العسكرية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد، وسط تساؤلات حادة عن أهداف القرارات الرسمية الصادرة عن السلطة السياسية وانعكاساتها على هيبة الجيش وروحية مقاتليه.
وتفاقمت موجة الاستياء عقب إقرار السلطة السياسية، بمختلف أطيافها، قانون العفو وتوقيعه، ولا سيما أنه يتضمن بنداً رئيسياً يتيح الإفراج عن عناصر متورطة في أعمال إرهابية تكفيرية تلطخت أيديها بدماء ضباط وجنود في الجيش اللبناني.
وأثارت هذه الخطوة علامات استفهام كبرى لدى أهالي الشهداء وداخل المؤسسة العسكرية التي قدمت تضحيات جساماً في مواجهة الجماعات الإرهابية، دفاعاً عن أمن لبنان واستقراره. فكيف يمكن مطالبة العسكري بالتضحية، فيما تُفتح أبواب السجون أمام من شاركوا في استهداف رفاقه؟
ولم تتوقف التطورات عند هذا الحد، إذ يرى مراقبون أن القرارات الرسمية الصادرة في الأوقات الحساسة، ولا سيما خلال الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، باتت تضع الجيش في موقع محرج من خلال إصدار أوامر بالانكفاء أو التراجع بدلاً من التصدي والمواجهة.
ويأتي ذلك في تعارض واضح مع العقيدة القتالية للجيش اللبناني، المكرسة في بياناته وأوامر اليوم، والتي تحدد بوضوح أن إسرائيل والإرهاب التكفيري يمثلان الخطرين الأساسيين على لبنان.
وأمام هذه الممارسات المتكررة، يطرح المتابعون للشأن اللبناني سؤالاً جوهرياً: هل هناك مسار ممنهج يستهدف إضعاف الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الوطنية الأكثر رصانة والتزاماً بالوحدة الوطنية، والضمانة الأخيرة لما تبقى من مفهوم الدولة وثقة المواطنين؟
وفي موازاة ذلك، يرى مراقبون أن المحاولات المستمرة لإقحام الجيش في زواريب الصراعات الداخلية، أو وضع قطعاته المقاتلة في مواجهة مكونات أساسية من الشعب اللبناني يشكّل أبناؤها عماد هذه القطعات، تمثل خطراً مباشراً على تماسك المؤسسة العسكرية.
فهذا المسار لا يهدد فقط الرابط الأمني والاجتماعي الذي يحفظ وحدة البلاد، بل يضغط أيضاً على المنظومة النفسية والمعنوية للعسكريين بمختلف رتبهم، من أفراد ورتباء وضباط، ويدفعهم إلى مواجهة تناقض قاسٍ بين طبيعة مهمتهم الوطنية والقرارات السياسية المفروضة عليهم.
إن ضرب الروح المعنوية للعسكريين وإسقاط هيبة القانون والمؤسسة العسكرية يضعان مستقبل لبنان على المحك. فالجيش ليس مجرد جهاز أمني، بل هو الركيزة الأخيرة التي تحول دون انهيار الهيكل الوطني بالكامل.
وأمام هذه القرارات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يُراد فعلاً إضعاف الجيش اللبناني وهدم الضمانة الأخيرة لجميع اللبنانيين، أم أن صمود المؤسسة ووعي منتسبيها والتفاف شعبها حولها ستحول دون تحقيق هذه الغايات؟

