تشعل إسرائيل حربها على مختلف الجبهات، من غزة إلى الضفة ولبنان والجولان وحتى إيران بواسطة الأميركي، إلا أن أكثر ما يشغل اللبنانيين هو المعركة المتوقعة للسيطرة على تلال علي الطاهر، التي تشكل العقدة الأساسية أمامها في مشروعها التوسعي جنوب لبنان. وبينما تكثر التقديرات حول احتمال إقدام إسرائيل على محاولة احتلال الموقع أو تفجيره، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بحدود القدرة الميدانية الإسرائيلية، وما إذا كان الردع الإيراني لا يزال قائماً وقادراً على منع انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة.
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان، فإن الردع الإيراني لا يزال قائماً، مشيراً إلى أنه لو كانت لدى إسرائيل القدرة الفعلية على اقتحام “علي الطاهر” والسيطرة عليه، لكانت أقدمت على ذلك منذ فترة، ولا سيما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يقف على أبواب استحقاق انتخابي من شأنه أن يحدد إلى حد كبير مصيره السياسي.
ويرى شومان أن استمرار إبقاء منسوب العدوان مرتفعاً في “علي الطاهر” وفي مناطق أخرى لا يعني بالضرورة امتلاك إسرائيل القدرة على تنفيذ عملية برية واسعة، بل يأتي في إطار محاولة توسيع دائرة النار. ويلفت إلى أن الأسبوع الماضي شهد توسعاً واسعاً في نطاق الاعتداءات، من المنصورة إلى صدقين، ووادي السلوقي، ووادي الحجير، والنبطية الفوقا، وكفررمان، في محاولة واضحة لتوسيع دائرة النار بعيداً عن “علي الطاهر”، الذي يحظى بالحيثية الإعلامية الأكبر.
ويعتبر أن المستوى الميداني الإسرائيلي لا يبدو، حتى الآن، موازياً للمستوى الإعلامي الذي تحاول إسرائيل تصديره إلى الداخل الإسرائيلي وإلى الخارج، وتحديداً إلى لبنان. فلو كانت لدى الجيش الإسرائيلي القدرة الفعلية على اقتحام “علي الطاهر” والسيطرة عليه، لكان قد أقدم على هذه الخطوة منذ زمن، وهو ما لم يحصل حتى الآن.
ولا يقتصر الأمر، بحسب شومان، على مسألة القدرة العسكرية، بل يتصل أيضاً بمستوى المعرفة الإسرائيلية بطبيعة الموقع. فالمعطيات التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الإسرائيلية، والتي تستند إلى مصادر أمنية وعسكرية، تقدم روايات متباينة بشأن “علي الطاهر”: فتارة يجري الحديث عن عشرات المقاتلين، وتارة عن مئات، وأحياناً عن وجود غرفة عمليات أو أسلحة ومعدات عسكرية. وهذا التباين، برأيه، يؤكد أن الجانب الإسرائيلي لا يمتلك صورة دقيقة ومتكاملة عن طبيعة الموقع وما يجري داخله، فضلاً عن عدم امتلاكه تصوراً واضحاً بشأن قدراته الميدانية.
ويضيف شومان أن أحد عناصر الردع الأساسية أمام أي عملية ميدانية إسرائيلية هو غياب القناعة الحاسمة لدى القيادة الإسرائيلية بإمكانية تحقيق النجاح، فطالما أن هذه القناعة غير محسومة لدى بنيامين نتنياهو، فإن هناك خشية من الهزيمة التي ستنعكس مباشرة على وضعه السياسي والانتخابي.
ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي في 27 تشرين الأول المقبل، إذ يرى شومان أن أي أخطاء ميدانية أو فشل في تحقيق الأهداف العسكرية يمكن أن ينعكس سلباً على اتجاهات الناخب الإسرائيلي، ولا سيما في ظل استطلاعات رأي بدأت تتحدث عن تراجع عدد المقاعد النيابية التي يمكن أن يحصل عليها نتنياهو وحلفاؤه.
ومن هنا، لا يستبعد شومان أن يلجأ نتنياهو إلى توسيع رقعة العمليات العسكرية في مناطق أخرى، في محاولة لرفع منسوب الضغط وتحقيق مكاسب يمكن توظيفها سياسياً قبل الانتخابات، إلا أنه يميز بين توسيع دائرة النار وبين اتخاذ قرار بتنفيذ اقتحام بري واسع، معتبراً أن المؤشرات والمعطيات التي يطرحها عدد من المعلقين الأمنيين والاستراتيجيين الإسرائيليين لا تزال تستبعد، أو على الأقل لا تضع، خيار الاقتحام البري لـ”علي الطاهر” في صدارة السيناريوهات.
ويستند إلى رأيه في استبعاد توسيع العدوان الميداني على لبنان، بما يجري على الجبهات الأخرى، ولا سيما التوتر المتصاعد في الضفة الغربية، فالمعطيات الإسرائيلية تتحدث عن نقل قوات من قطاع غزة ومن الحدود مع لبنان إلى الضفة.
وبالتالي، فإن المشهد يبقى مفتوحاً على احتمال تصعيد إسرائيلي وتوسيع للعمليات العسكرية، لكن من دون مؤشرات حاسمة حتى الآن على قدرة أو قرار إسرائيلي بتنفيذ عملية برية واسعة للسيطرة على «علي الطاهر». وبينما تستمر الحرب النفسية والإعلامية حول الموقع، يبدو أن معادلة الردع لا تزال حاضرة، وأن الفارق بين التهديد الإسرائيلي والقدرة الفعلية على تحويله إلى إنجاز ميداني سيبقى العامل الأبرز في تحديد مستقبل المعركة.

