رأت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الذي ينص على إنهاء هيكلها العسكري ودمج مقاتليها في مؤسسات الدولة، يشكل تحولاً سياسياً وعسكرياً بارزاً في سوريا، وقد يدفع إسرائيل إلى إعادة النظر في سياستها تجاه دمشق، بعدما راهنت خلال المرحلة الماضية على الأقليات، وفي مقدمتها الأكراد، كورقة للتأثير في مستقبل البلاد.
وفي تحليل للكاتب تسفي برئيل، أشارت الصحيفة إلى أن إعلان قائد “قسد” مظلوم عبدي حل الهيكل العسكري للقوات والموافقة على دمج مقاتليها في الجيش السوري يزيل واحدة من أبرز العقبات أمام توحيد مؤسسات الدولة تحت سلطة الحكومة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع.
وبموجب الاتفاق، سيُنقل مقاتلون أكراد إلى وزارتي الدفاع والداخلية، على أن يجري دمجهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية بدلاً من بقائهم ضمن وحدات مستقلة. كذلك، ستنتقل الأسلحة والمعدات التي كانت بحوزة القوات الكردية، بما فيها الدبابات والمركبات المدرعة والمدافع وقذائف الهاون والأسلحة الفردية، إلى مسؤولية الجيش السوري.
ولا يقتصر الاتفاق على الجانب العسكري، إذ إن مناطق ومؤسسات مدنية وحقول نفط ومعابر حدودية كانت خاضعة للإدارة الكردية انتقلت بالفعل إلى سيطرة الحكومة السورية، على أن تستكمل العملية لاحقاً.
وفي المقابل، حصل الأكراد على مكاسب سياسية وثقافية، بينها الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وإتاحة تدريسها، واعتماد عيد النوروز عيداً وطنياً، إضافة إلى السماح لآلاف الأكراد الذين فقدوا جنسيتهم في عهد الرئيس السابق بشار الأسد باستعادتها بعد إجراءات التدقيق.
دمج عسكري لم يُحسم
وأشارت “هآرتس” إلى أن عبدي تخلى عن زيه العسكري وظهر ببدلة وربطة عنق بعد تعيينه مستشاراً للرئيس الشرع، فيما تولت نائبته السابقة سيفان حمو منصب نائب وزير الدفاع للشؤون الكردية.
ورغم الاتفاق، لا تزال ملفات تحتاج إلى مفاوضات، أبرزها هيكل القيادة داخل الجيش ومواقع انتشار المقاتلين وطبيعة تدريبهم. ووفق الصحيفة، أبدى نحو 12 ألف مقاتل كردي استعدادهم للانضمام إلى الجيش، وبدأ بعضهم إجراءات الفرز والتسجيل، إلا أنهم يمثلون نحو ثلث القوات الكردية المسلحة.
ويبقى مصير المقاتلين الرافضين لتسليم أسلحتهم من أبرز التحديات، وسط احتمال اتجاه بعضهم إلى تشكيل مجموعات مسلحة مستقلة قد تواجه القوات الحكومية.
تراجع الحكم الذاتي
وعلى المستوى المدني، يعني الاتفاق تخلي الأكراد عن جزء كبير من الحكم الذاتي الذي بنوه خلال سنوات الحرب، فيما يقدر عددهم في سوريا بما بين مليونين ومليونين ونصف المليون نسمة، أي نحو 10 بالمئة من السكان.
كذلك، يثير انتقال حقول النفط والمعابر الحدودية إلى دمشق تساؤلات بشأن مستقبل الموارد التي شكلت مصدراً مهماً لدخل المناطق الكردية، فيما لا يزال مصير النازحين الأكراد، ولا سيما من المناطق الخاضعة للنفوذ التركي، من الملفات غير المحسومة.
ضربة للاستراتيجية الإسرائيلية
ورأت “هآرتس” أن التطورات الأخيرة لا تحمل تداعيات على الأكراد وحدهم، وإنما تمثل أيضًا تحدياً مباشراً للاستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل في سوريا خلال الفترة الماضية.
ad
وأشارت إلى أن إسرائيل نظرت إلى المناطق الكردية باعتبارها مساحة يمكن من خلالها التأثير في مستقبل سوريا، والحصول على معلومات بشأن نشاط إيران وحزب الله، فضلًا عن الحد من النفوذ التركي.
وتابعت الصحيفة أن إسرائيل، بعد سقوط نظام بشار الأسد، رأت في الأكراد والدروز قوى يمكن أن تساعد في مواجهة قيام سوريا موحدة تحت قيادة نظام تعتبره إسرائيل مرتبطًا بتركيا.
وأشارت إلى أن هذا التصور تعزز مع التعاون بين القوات الكردية وبعض المجموعات الدرزية في محافظة السويداء، خصوصًا في ظل المواجهات التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
وأكدت “هآرتس” أن الموقف الأميركي لعب دوراً رئيسياً في دفع الأكراد نحو الاتفاق مع دمشق، موضحة أن المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك مارس ضغوطاً كبيرة للتوصل إلى تسوية بين الطرفين.
وبحسب الصحيفة، حذر باراك الأكراد من أنهم قد يجدون أنفسهم بمفردهم من دون دعم أو تمويل إذا رفضوا الاتفاق، فيما اعتبر أن توحيد سوريا تحت سلطة مركزية هو المسار الذي تدعمه واشنطن.
وتابعت “هآرتس” أن حل القوات الكردية يمثل بالنسبة إلى باراك خطوة تاريخية باتجاه استكمال توحيد البلاد، في وقت يجد فيه الأكراد أنفسهم أمام ضغوط عسكرية وسياسية من تركيا وسوريا، مع تراجع قدرتهم على استخدام أوراق الضغط التي كانت متاحة لهم سابقاً.
وخلصت الصحيفة إلى أن تفكيك القوات الكردية يمثل بالنسبة إلى إسرائيل أكثر من مجرد تسوية داخلية سورية، معتبرة أنه يكشف حدود السياسة التي اعتمدت على دعم الأقليات وإضعاف السلطة المركزية في دمشق.
وأكدت “هآرتس” أن التطورات الإقليمية، إلى جانب الموقف الأميركي والدور التركي في مسار إعادة تشكيل الدولة السورية، تجعل استمرار الرهان الإسرائيلي على تفكيك سوريا أكثر صعوبة.
ورأت أن إسرائيل، إذا أرادت الحفاظ على نفوذها في الساحة السورية، قد تكون مضطرة إلى إعادة تقييم سياستها تجاه دمشق، والتعامل مع النظام السوري ليس فقط باعتباره خصماً، وإنما أيضاً باعتباره طرفًا يمكن أن يصبح شريكًا في ترتيبات إقليمية جديدة.

