كتب كبريال مراد في نداء الوطن:
لم يؤدِّ تمديد ولاية مجلس النواب سنتين إلى إقفال صناديق الاقتراع، بل نقل المعركة من موعدها الدستوري إلى قلب الحياة السياسية. فالاستحقاق الذي أُرجئ تحت ضغط الحرب والظروف الأمنية لم يغب عن حسابات القوى السياسية، بل تحوّل إلى سباق طويل تُخاض جولاته منذ الآن: تحالفات تُراجع، خصومات تتعمّق، مرشحون يتحرّكون، وماكينات انتخابية بدأت العمل بصمت.
في التاسع من آذار الماضي، أقرّ مجلس النواب تمديد ولايته حتى 31 أيار 2028، بأكثرية 76 نائبًا. وتقصير الولاية يحتاج إلى قانون وأكثرية نيابية لا تبدو متوافرة حتى الآن. وبغض النظر عن موعد الانتخابات، فإن النقاش تجاوز روزنامة الاستحقاق إلى موازين القوى التي ستنتج منه، وتدور في الخلفية حسابات المقاعد والحواصل والتحالفات.
في الكواليس، تتعامل القوى السياسية مع المرحلة على أنها حملة انتخابية طويلة. فالتحالفات التي تشكّلت عام 2022 لم تعد مضمونة، وبعضها سقط عمليًّا تحت وطأة الخلافات السياسية والشخصية، فيما يعيد كل حزب احتساب قوته، واختبار قدرته على التمدّد خارج قاعدته التقليدية.
منذ اليوم، بدأ نواب ومرشحون محتملون تكثيف حضورهم في المناطق، من الخدمات واللقاءات العائلية إلى المناسبات الاجتماعية والإنمائية. فالمعركة في عدد كبير من الدوائر لن تُحسم فقط بالمواقف السياسية الكبرى، بل أيضًا في قدرة المرشح على بناء شبكة محلية والاحتفاظ بعلاقة مباشرة مع الناخبين.
المسيحيون: معركة الأحجام والزعامة
في الساحة المسيحية، تبدو المنافسة مفتوحة على إعادة تحديد الأحجام والأدوار. الأحزاب تعمل بالطبع بثقلها، ولكن في دوائر عدة، يبرز حضور النواب المستقلّين، وقد تمكّن بعضهم من مراكمة حضور تشريعي وخدماتي وإنمائي، يجعل منه “رقمًا صعبًا” يؤخذ في الحسبان في العملية الانتخابية. أضف إلى ذلك دخول “العهد الحالي” في المعادلة. فنجاح خياراته التفاوضية عشية الانتخابات، سيترك الأثر في خيارات الشارع المسيحي.
السنّة: مَن يملأ الفراغ؟
في الساحة السنيّة، لا تزال مرحلة ما بعد تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي تلقي بثقلها على المشهد. فالفراغ القيادي الذي ظهر في الانتخابات الأخيرة لم يُملأ بصورة نهائية، ما يترك الباب مفتوحًا أمام إعادة تشكيل المرجعيات والتحالفات، ولا سيما في بيروت وطرابلس والبقاع الغربي وصيدا.
وستدور المنافسة بين محاولات إنتاج مرجعيات محلية جديدة، وسعي القوى التقليدية إلى استعادة جمهور ابتعد أو امتنع عن التصويت، ودخول شخصيات مدعومة سياسيًا وماليًّا على خط السباق. لكن العامل الحاسم يبقى موقف جمهور الـ”مستقبل”: هل يستمر في العزوف، أم يعود إلى الاقتراع، وتحت أي عنوان وقيادة؟
كذلك قد يترك قانون العفو العام، أثرًا مباشرًا في المشهد الانتخابي، إن لجهة إعادة رسم التحالفات أو القدرة على تجيير الأصوات في بعض المناطق. فالملف لم يعد إنسانيًّا وقضائيًا فقط، بل بات يحمل أبعادًا سياسية وانتخابية لا تخفى على أحد.
الثنائي أمام امتحان الحرب وإعادة الإعمار
أما في الساحة الشيعية، فيدخل “الثنائي” الاستحقاق محمّلا بتداعيات الحرب وكلفة إعادة الإعمار والأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب وسلاح “حزب الله”. وقد يحتفظ الثنائي بتماسكه التنظيمي والانتخابي، لكن ذلك لا يلغي وجود نقاش داخل بيئته حول الأداء والخيارات والنتائج.
وستكون مناطق الجنوب والبقاع والضاحية أمام معركة مختلفة عن انتخابات 2022، عنوانها الأساسي مدى قدرة القوى التقليدية على تحويل التضامن في مواجهة الحرب إلى تجديد للثقة السياسية، ومدى قدرة الأصوات الاعتراضية على تجاوز تشتتها وتشكيل لوائح جدية قادرة على خرق المشهد والانتقال من المواقف الإعلامية، الى تحت قبة البرلمان.
“التغيير”: من الاعتراض إلى كشف الحساب
تدخل قوى “التغيير” المرحلة المقبلة أمام امتحان أكثر صعوبة من انتخابات 2022. يومها استفادت من غضب شعبي واسع ومن رغبة في معاقبة القوى التقليدية، لكنها اليوم مطالبة بتقديم حصيلة سياسية ونيابية مقنعة.
فالخلافات التي ظهرت بين نوابها، وتباين خياراتهم في ملفات أساسية، يجعلان توحيد اللوائح والبرامج أكثر تعقيداً، ويفتحان الباب أمام معارك داخل البيئة الاعتراضية نفسها. كما أن تعدد المرشحين الباحثين عن الصوت الاحتجاجي قد يبدّد الحواصل ويمنح القوى التقليدية فرصة لاستعادة مقاعد خسرتها بفوارق محدودة. ولن يكون كافياً رفع شعارات التغيير. فالناخب الذي منح هذه القوى فرصة أولى سيسأل هذه المرة: ماذا غيّرت؟ وكيف صوّتت؟ وما القوانين التي أسهمت في إقرارها؟ وهل نجحت في بناء بديل سياسي، أم اكتفت بنقل خلافاتها من الشارع إلى البرلمان؟
قانون الانتخاب: معركة تسبق المعركة
قبل فتح صناديق الاقتراع، ستُفتح معركة قانون الانتخاب. فكل تعديل في طريقة احتساب الأصوات، أو توزيع الدوائر، أو اقتراع المغتربين، قد يبدّل النتائج قبل أن يبدأ التصويت. وسط معلومات تشير إلى أن معركة قانون الانتخاب لن تتأخّر. وبالتالي، فالصناديق مؤجلة، نعم، لكن المعركة فُتحت. وفي لبنان، غالبًا ما تكون الأشهر التي تسبق الانتخابات أكثر ضراوة من يوم الاقتراع نفسه.

