تفتح العقوبات الأميركية الأخيرة على شبكات مرتبطة بـ “حزب الله” وإيران باباً واسعاً أمام التساؤلات حول تداعياتها المحتملة على لبنان، ولا سيما على القطاع المصرفي وحركة التحويلات والاستثمارات، في وقت يسعى فيه البلد إلى استعادة الثقة بنظامه المالي وإعادة وصل مصارفه بالأسواق والمؤسسات المالية الدولية.
جاءت العقوبات على مرحلتين متقاربتين: الأولى استهدفت شبكة تتهمها وزارة الخزانة الأميركية بنقل مئات ملايين الدولارات نقداً إلى الحزب، فيما وسّعت واشنطن بعد أيام ضغوطها على إيران، مستهدفة شبكاتها المالية والتجارية ووسائل الالتفاف على العقوبات.
ورغم أن الإجراءات لم تستهدف الدولة اللبنانية أو القطاع المصرفي اللبناني مباشرة، فإن تشديد الخناق على حركة الأموال المرتبطة بإيران و”حزب الله”، قد يفرض مزيداً من الحذر والتدقيق في التعاملات المرتبطة بلبنان، خصوصاً من جانب المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الأجنبية.
فإلى أي مدى يُمكن أن يشعر الاقتصاد اللبناني بارتدادات هذه العقوبات؟ وهل يكون أثرها محصوراً بالأشخاص والشبكات المستهدفة، أم ينسحب على التحويلات والمصارف والاستثمارات؟
تشدّد مصرفي من دون قيود شاملة
في قراءة لتداعيات هذه العقوبات على الداخل اللبناني، يشرح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان في حديثه الى “ليبانون ديبايت” أن العقوبات يمكن أن تترك أثراً غير مباشر على القطاع المصرفي اللبناني، “ليس من خلال استهداف المصارف اللبنانية بحد ذاتها، وإنما عبر تشديد متطلبات الامتثال والتدقيق على العمليات التي قد تحمل صلة مباشرة أو غير مباشرة بأشخاص أو كيانات مدرجة على لوائح العقوبات”.
وفي ظل اعتماد النظام المالي اللبناني بدرجة كبيرة على النظام المالي العالمي والدولار الأميركي، يوضح أبو سليمان أن المصارف ومراسليها في الخارج تميل إلى “اعتماد مقاربة أكثر تحفظاً تجاه العمليات ذات المخاطر المرتفعة، وقد يترجم ذلك عملياً بمزيد من التدقيق في مصدر الأموال ووجهتها، وهوية المستفيدين الحقيقيين والغرض من التحويلات، خصوصاً في العمليات العابرة للحدود أو المرتبطة بأطراف ومناطق مصنفة عالية المخاطر.”
يشدّد أبو سليمان في المقابل، على ضرورة عدم المبالغة في تقدير التداعيات، إذ إن تشديد الرقابة “لا يعني تلقائياً فرض قيود عامة على التحويلات من لبنان وإليه”، ما لم تتطور الإجراءات الأميركية إلى استهداف مباشر لمؤسسات مالية لبنانية أو إلى تدابير ثانوية أوسع نطاقاً.
كلفة مخاطر إضافية؟
أما على مستوى الاقتصاد، فيُفترض، بحسب أبو سليمان، “أن يبقى الأثر المباشر محدوداً ما دامت العقوبات محصورة بأفراد وشبكات محددة ولم تمتد إلى الدولة اللبنانية أو القطاع المصرفي ككل.” إلا أن التداعيات غير المباشرة قد تكون أكثر أهمية، في ظل أزمة الثقة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وضعف الوساطة المصرفية وارتفاع المخاطر السيادية والمصرفية. فـ”أي تشدد إضافي في الامتثال أو ارتفاع في مخاطر التعامل مع لبنان يمكن أن يزيد كلفة المعاملات الدولية ويعزز تحفظ المصارف المراسلة والمستثمرين. هذا لا يعني بالضرورة خروج رؤوس الأموال، لكنه، وفق أبو سليمان، قد يرفع علاوة المخاطر ويؤخر قرارات الاستثمار ويزيد حساسية المستثمرين تجاه أي تطور سياسي أو مالي”.
في المقابل، تبقى قدرة لبنان على احتواء هذه التداعيات مرتبطة إلى حد كبير بمدى التزام مؤسساته المالية بالمعايير الدولية، وبالتقدم في إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة لاستعادة الثقة، خصوصاً أن مصادر التمويل الخارجية لا تزال عاملاً شديد الحساسية بالنسبة إلى الاقتصاد اللبناني.
أموال المغتربين
يبقى السؤال الأكثر التصاقاً بحياة اللبنانيين متعلقاً بالتحويلات المالية، ولا سيما أموال المغتربين التي تشكل أحد أبرز مصادر العملات الأجنبية للاقتصاد.
يميّز أبو سليمان هنا بين الأموال الواردة إلى لبنان وتلك الخارجة منه. فالتحويلات الواردة من المغتربين، متى كان مصدرها والمستفيد منها واضحين ولم تكن مرتبطة بأشخاص أو جهات خاضعة للعقوبات، “يُفترض ألا تتأثر بصورة جوهرية بالعقوبات نفسها”. إلا أن بعض العمليات قد تستغرق وقتاً أطول في المعالجة أو تتطلب مستندات إضافية لإثبات مصدر الأموال، خصوصاً عندما يكون مسار التحويل أو طبيعته غير اعتياديين.
أما التحويلات الصادرة من لبنان، فتبدو “أكثر حساسية، إذ تتعامل المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الأجنبية عادة بحذر أكبر مع العمليات التي قد تنطوي على مخاطر مرتبطة بالعقوبات أو غسل الأموال أو تمويل الإرهاب”. وقد يؤدي ذلك، بحسب أبو سليمان، إلى “مزيد من التدقيق ورفض بعض العمليات الفردية المصنفة عالية المخاطر أو ارتفاع كلفة الامتثال، من دون أن يصل الأمر بالضرورة إلى فرض حظر شامل على التحويلات”.
الخطر في الهروب من المصارف
لكن التداعيات المحتملة لا تتوقف عند تأخير تحويل أو طلب مستندات إضافية. فحـركة الأموال عبر الحدود كانت أصلاً مقيدة منذ اندلاع الأزمة المالية، فيما بقيت التحويلات عبر القنوات الرسمية عاملاً أساسياً في توفير السيولة بالعملات الأجنبية للاقتصاد اللبناني”. من هنا، يحذّر أبو سليمان من أن الخطر الأكبر “ليس في تراجع التحويلات المشروعة بحد ذاتها، بل في أن يؤدي الإفراط في التحفظ المصرفي أو اتساع نطاق المخاطر إلى دفع جزء من النشاط المالي نحو قنوات غير مصرفية وغير منظمة”، وهو ما قد تكون تداعياته أكثر ضرراً على الاقتصاد والقطاع المالي على المدى المتوسط.
وبذلك، لا تبدو العقوبات الأخيرة، في شكلها الحالي، بمثابة حصار مالي على لبنان، ولا تعني أن المصارف أو التحويلات اللبنانية باتت مستهدفة مباشرة. إلا أنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى بلد يحاول إعادة بناء قطاعه المصرفي واستعادة موقعه داخل النظام المالي الدولي.

