كشفت مصادر لبنانية عن مخاوف متزايدة لدى مسؤولين في بيروت من أن تكون إسرائيل انتقلت، بعد سلسلة الاستهدافات التي نفذتها خلال اليومين الماضيين، إلى العمل وفق بنك أهداف جديد في لبنان، لا يقتصر على المواقع العسكرية، وإنما قد يشمل عمليات اغتيال لقيادات في حزب الله وتوسيع دائرة الضربات إلى مناطق أبعد عن خطوط المواجهة الحالية.
وقالت المصادر إن هذه المخاوف تتزامن مع “عتب” أميركي على الدولة اللبنانية، تم نقله مؤخرًا عبر السفير الأميركي في بيروت، بسبب ما تعتبره واشنطن تباطؤًا في تنفيذ خطة حصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية للحزب، وسط خشية لبنانية من أن يتحوَّل الضغط الأميركي إلى رفع جزئي للقيود المفروضة على العمليات الإسرائيلية، وخاصةً في منطقة علي الطاهر الإستراتيجية.
وبحسب المصادر، يخشى مسؤولون لبنانيون مِن أن يكون التصعيد الأخير بمثابة رسالة أخيرة قبل الانتقال إلى مستوى مختلف من العمليات، وخاصةً إذا استمر التعثر في ملف السلاح ولم تُحقق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تقدمًا ملموسًا.
علي الطاهر.. الضوء الأخضر
وتعزز هذه المخاوف معطيات نَشَرتها وسائل إعلام إسرائيلية ولبنانية خلال الأيام الأخيرة. فقد ذكرت “جيروزاليم بوست”، نقلًا عن مسؤول أمني لبناني، أن إسرائيل تنتظر موافقة أميركية لتنفيذ عملية تهدف إلى السيطرة على مرتفعات علي الطاهر، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي في حالة استعداد مرتفعة لتنفيذها.
في المقابل، كشفت صحيفة “لوريان لوجور” أن اتصالات أمريكية سعت حتى الآن إلى منع تحوّل علي الطاهر إلى معركة كبيرة، لكنها تحدثت عن خيارين يجري تداولهما اليوم، يتمحور الأول حول إعطاء فرصة أخيرة لمعالجة الملف عبر التفاهمات التي تقودها واشنطن، فيما يسمح الخيار الثاني بعملية عسكرية واسعة إذا فشل المسار السياسي.
ويكتسب موقع علي الطاهر أهمية مضاعفة؛ لأنه يشرف على مساحات واسعة من منطقة النبطية، فيما تتهم إسرائيل حزب الله باستخدام محيطه وشبكة الأنفاق فيه كنقطة ارتكاز ومراقبة وعمليات.
اختبار سقف واشنطن
وفقًا للمصادر، رفعت الضربات الإسرائيلية الأخيرة مستوى القلق اللبناني إلى الحدود القصوى. ففي الـ15 من آب، قتل 11 شخصًا، بينهم ثلاثة أطفال، في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، في أعلى حصيلة منذ هدنة حزيران، وشملت الضربات أنصار ودير الزهراني ومناطق في النبطية، بينما قالت إسرائيل إن عملياتها جاءت ردًّا على نشاط للحزب انطلاقًا من منطقة علي الطاهر.
وتشير المصادر إلى الرسائل التي حملتها تصريحات السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد ذلك، حين ربط وقف العمليات الإسرائيلية بتسليم الحزب سلاحه، في وقت تستمر فيه واشنطن بالضغط لتوسيع المناطق التجريبية التي يُفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي مقابل تثبيت سيطرة الدولة اللبنانية وتفكيك البنية المسلحة للحزب. وترى أنه يصعب فصل هذه التصريحات عن التصعيد الحاصل.
وتقول المصادر إن المسألة لم تعد بالنسبة لبيروت مرتبطة فقط باستمرار الضربات، وإنما باحتمال أن تتحوّل العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى أداة ضغط موازية للمفاوضات.
في الجهة المقابلة، لا يبدو الحزب مطمئنًّا إلى استمرار الهدوء. وبعد الضربات الأخيرة، لوّح بـ”رد مناسب” إذا استمرت العمليات الإسرائيلية، بينما تشير التحركات حول النبطية و”علي الطاهر” إلى أن الحزب يتعامل مع المنطقة بوصفها إحدى نقاط الاحتكاك الأكثر حساسية في أيّ جولة جديدة.
لكن الاستعداد لجولة محتملة لا يعني بالضرورة العودة إلى النموذج العسكري السابق، وفقًا لخبراء عسكريين. فالخسائر التي لحقت بالبنية الحدودية للحزب تجعل الاحتفاظ بقواعد ثابتة ومنصات ظاهرة أكثر خطورة، وهو ما يرجح الاعتماد بصورة أكبر على الأنفاق والوحدات الصغيرة والمسيّرات والاستطلاع والانتشار في العمق.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل مصممة على منع الحزب من إعادة بناء منطقة عسكرية آمنة شمال مواقع انتشار قواتها. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ربط أخيرًا انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بنزع سلاح الحزب، بعدما أثارت تصريحاته السابقة بشأن البقاء الطويل في لبنان انتقادات أميركية.
وتزداد خطورة المشهد مع انتهاء المهلة المرتبطة بالاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران من دون الوصول إلى تسوية دائمة. فقد انتهت مهلة الستين يومًا وسط جمود بين الطرفين؛ ما يعيد طرح السؤال بشأن مستقبل التهدئة التي ساعدت خلال الأسابيع الماضية على كبح المواجهات على أكثر من جبهة إقليمية.
وكان الاتفاق الأميركي الإيراني المعلن في حزيران تضمَّن وقف العمليات العسكرية على الجبهات المرتبطة بالحرب، في وقت احتفظت فيه إسرائيل بحق الرد على هجمات الحزب.
ثلاثة احتمالات
يقف جنوب لبنان اليوم أمام معادلة شديدة الهشاشة، وفقًا للباحث السياسي مازن بلال. فمن جهة ضغوط أمريكية متصاعدة لنزع السلاح، واستعداد إسرائيلي لعملية محتملة في “علي الطاهر”، ومن جهة أخرى تهديدات الحزب بالرد، بينما تفقد التهدئة الإقليمية أحد أهم صمامات الأمان التي كبحت توسّع المواجهة.
ويقول بلال إن هذا المشهد يفتح الباب أمام ثلاثة احتمالات رئيسية، أولها استمرار الضربات الإسرائيلية المحسوبة وعمليات الاغتيال بهدف رفع الضغط على الدولة اللبنانية وحزب الله من دون الذهاب فورًا إلى حرب واسعة.
أما الاحتمال الثاني، وفقًا للباحث السياسي، فهو تنفيذ عملية محدودة للسيطرة على تلة علي الطاهر وفرض أمر واقع عسكري جديد يمكن استخدامه في المفاوضات.
حزب الله يعيد الحسابات
ويبقى الاحتمال الثالث والأخطر في انتقال المواجهة إلى جولة أوسع إذا رد الحزب بقوة أو انهارت التفاهمات الأميركية الإيرانية نهائيًّا بحسب ما يقول بلال. إلا أنه يلفت إلى أن العامل الحاسم لن يكون قرار الحزب أو إسرائيل وحدهما، بل المساحة التي ستتركها واشنطن لتل أبيب للتحرك عسكريًّا، وحدود الرد الذي ستسمح به طهران للحزب.

