عاد ملف العلاقة بين لبنان وسوريا إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن طبيعة الدور السوري المحتمل في المرحلة المقبلة، في ظل تصريحات ومواقف إقليمية أعادت طرح أسئلة حول حدود النفوذ بين البلدين، وما إذا كان من الممكن أن تعود دمشق إلى لعب دور عسكري مباشر في لبنان كما كان عليه الحال خلال العقود الماضية.
وتأتي هذه التساؤلات بعد نحو نصف قرن على دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، في مرحلة شهدت تحولات كبرى انتهت بوجود عسكري سوري استمر حتى عام 2005، قبل أن ينسحب الجيش السوري تحت ضغط التطورات الداخلية والدولية، لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “الظروف الحالية تختلف جذريًا عن المرحلة التي سمحت لسوريا سابقًا بالتدخل العسكري في لبنان”، مشيرًا إلى أن “دمشق لا تملك اليوم القدرات العسكرية والسياسية التي تخوّلها العودة إلى تجربة الوصاية السابقة”.
وقال بالوكجي إن “سوريا لا تستطيع الدخول عسكريًا إلى لبنان، فهي تحتاج إلى دعم إسرائيلي ودولي، وحتى عندما كانت تملك إمكانات أكبر لم تكن قادرة على تجنيد الأعداد التي تحتاجها لأي انتشار واسع”، معتبرًا أن “القدرات العسكرية الحالية لا تسمح لها بخوض عملية بهذا الحجم”.
وأوضح أن أي تحرك عسكري سوري داخل لبنان سيواجه تحديات كبيرة، لافتًا إلى وجود قوى مسلحة على الحدود يمكن أن تشكل عامل مواجهة، وقال إن “هناك مجموعات وقوات قادرة على إحداث صعوبات على الحدود، لذلك فإن الدخول بالقوة سيكون أمرًا بالغ التعقيد”.
وأضاف أن “أقصى ما يمكن أن تقوم به دمشق في الظروف الحالية هو ممارسة ضغط أو تنفيذ ضربات محدودة على الحدود، وليس الدخول في عملية عسكرية واسعة”، مشيرًا إلى أن أي تدخل سيضع سوريا أمام حسابات إقليمية معقدة.
ورأى بالوكجي أن “الظروف الإقليمية الحالية تجعل أي عودة إلى الوصاية العسكرية على لبنان أمرًا مستبعدًا”، مؤكدًا أن “سوريا لا تملك لا القدرة العسكرية ولا الإمكانات ولا الغطاء السياسي الذي يسمح لها بإعادة إنتاج المرحلة السابقة”.
وفي ما يتعلق بإمكانية حصول تعاون بين دمشق وبيروت، أشار بالوكجي إلى أن “المساعدة في ملفات معينة ممكنة إذا جاءت ضمن إطار رسمي وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني”، لكنه شدد على أن “العودة إلى وصاية مباشرة على لبنان ليست مطروحة ولا تملك سوريا القدرة على تحقيقها”.
وتطرق إلى الطروحات التي جرى تداولها حول ترتيبات إقليمية مرتبطة بالوضع اللبناني، مشيرًا إلى أن “هناك أفكارًا طرحت برعاية أميركية تتعلق بمساعدة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني في معالجة بعض الملفات، إلا أن ذلك يختلف كليًا عن عودة النفوذ العسكري المباشر”.
وختم بالوكجي بالتأكيد أن “لبنان اليوم ليس كما كان قبل 50 عامًا، وسوريا أيضًا ليست كما كانت، وبالتالي فإن أي سيناريو يعيد تجربة الماضي يواجه عوائق داخلية وإقليمية ودولية كبيرة”.

