منذ إقرار قانون الإيجارات السكنية رقم 2/2017، بقيت المادة 58 في صلب النقاشات القانونية والقضائية المتعلقة بالإيجارات القديمة، نظرًا لما أثارته من تباين في تفسير نطاق تطبيقها وشروط العمل بها. ومع مرور السنوات، تعددت الاجتهادات بشأن هذه المادة، ولا سيما لجهة ارتباطها بالمستأجرين المستفيدين من تقديمات صندوق مساعدة المستأجرين، وما إذا كانت لا تزال منتجة لآثارها القانونية بعد استكمال إنشاء اللجان الخاصة ووضع النظام المالي للصندوق موضع التنفيذ.
وفي قراءة قانونية للمادة 58 من قانون الإيجارات، يرى المستشار القانوني لنقابة المالكين المحامي شربل شرفان في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “هذه المادة لم تُشرَّع لتكون قاعدة دائمة، بل نصًا انتقاليًا ارتبط تطبيقه بشرط قانوني محدد”، معتبرًا أن التعامل معها في بعض الملفات تجاوز الغاية التي أرادها المشترع.
ويشير شرفان إلى أن “المادة 58 علّقت تطبيق مجموعة محددة من أحكام قانون الإيجارات بالنسبة إلى المستأجرين المعنيين بتقديمات صندوق مساعدة المستأجرين، وليس بالنسبة إلى جميع المستأجرين أو جميع الدعاوى”.
ويؤكد أن “الاستفادة من أحكام هذه المادة لا تتحقق إلا بتوافر شرطين فرضهما القانون بصورة متلازمة، أولهما أن يتقدم المستأجر بطلب الاستفادة من الصندوق ضمن المهلة القانونية في كل سنة، وثانيهما أن يوجّه، ضمن المهلة المحددة، إشعارًا إلى المالك يُبلغه فيه بتقديم هذا الطلب”.
ويضيف: “من دون اجتماع هذين الشرطين، لا يكتسب المستأجر صفة المستفيد من الصندوق، ولا يكون معنيًا بالأحكام المرتبطة بالمادة 58”.
كما يوضح شرفان أن “تعليق تطبيق بعض أحكام القانون لم يكن مطلقًا أو مفتوحًا زمنيًا، بل ارتبط أيضًا بدخول حساب صندوق مساعدة المستأجرين حيّز التنفيذ، وإنشاء اللجان الخاصة المنصوص عليها في القانون، ووضع النظام المالي للصندوق”.
وبحسب الدراسة، تحقق هذا الشرط فعليًا وقانونيًا مع صدور المرسوم رقم 4773 بتاريخ 17 أيار 2019، الذي أنشأ اللجان الخاصة المنصوص عليها في القانون، ثم المرسوم رقم 5700 بتاريخ 1 تشرين الأول 2019، الذي أقر النظام المالي لحساب صندوق مساعدات المستأجرين.
وانطلاقًا من ذلك، يعتبر شرفان أن “السبب القانوني الذي علّق تطبيق بعض أحكام القانون قد زال، ما يعني أن المادة 58 استنفدت موضوعها ولم تعد تنتج الأثر الذي وُضعت من أجله، وبالتالي لا يجوز الاستمرار في التمسك بها بعد تحقق الشرط الذي عُلّق عليه تطبيقها”.
ويشرح أن “المادة لم تُلغَ من الناحية الشكلية، إلا أنها فقدت مفعولها العملي بمجرد تحقق الشرط الذي ربط المشترع نفاذها به”، فأصبحت، وفق توصيفه، “نصًا مستنفد الموضوع، لا يرتب أثرًا قانونيًا جديدًا ولا يجوز إحياء مفاعيله بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي وُضع لمعالجتها”.
وفي هذا الإطار، تميّز الدراسة بين تعليق تطبيق النص وانتهاء مفعوله، إذ يرى شرفان أن “التعليق كان قائمًا إلى حين استكمال إنشاء اللجان ووضع النظام المالي للصندوق، أما بعد تحقق ذلك، فإن استمرار تطبيق المادة 58 يفتقر إلى الأساس القانوني الذي قام عليه أصلًا”.
كما يؤكد أن “النصوص الانتقالية تُفسَّر تفسيرًا ضيقًا، ولا يجوز التوسع في تطبيقها أو تمديد آثارها بعد زوال الأسباب التي استوجبت إقرارها، لأن الاستثناء لا يتحول إلى قاعدة، والتدبير المؤقت لا يمكن أن يصبح وسيلة لتعليق أوضاع قانونية بصورة دائمة”.
ويرى شرفان كذلك أن “استمرار تعليق الدعاوى في الحالات التي لم تعد تتوافر فيها شروط تطبيق المادة 58 يتعارض مع مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي استقرار المراكز القانونية ووضوح القواعد الواجبة التطبيق، كما يمس بحق المتقاضين في الوصول إلى العدالة والحصول على أحكام ضمن مهلة معقولة”.
ولا تقتصر انعكاسات هذا التفسير على الجانب النظري، بل تمتد إلى آلاف الملفات المرتبطة بالإيجارات القديمة، ولا سيما تلك المتعلقة بتحديد بدلات الإيجار، والاستفادة من تقديمات الصندوق، واحتساب الزيادات، وإنهاء عقود الإيجار وفق الأحكام التي نص عليها القانون.
وتضيف الدراسة أنه “لم يعد مقبولًا، بعد استكمال إنشاء اللجان وإقرار النظام المالي للصندوق، التوسع في تفسير المادة 58 أو إبقاء آثارها قائمة خارج الحدود التي رسمها المشترع، كما لا يجوز أن تتحول النصوص الانتقالية إلى وسيلة لتعليق تطبيق القانون إلى أجل غير محدد”.
وانطلاقًا من ذلك، يدعو شرفان المحاكم إلى “تطبيق المادة 58 ضمن نطاقها القانوني الصحيح، والتحقق أولًا من توافر شروط الاستفادة من الصندوق بالنسبة إلى المستأجر قبل ترتيب أي أثر قانوني عليها”، مؤكدًا أن “الشرطين متلازمان ولا يغني أحدهما عن الآخر”.
ويخلص شرفان إلى أن “المادة 58 لم تُشرَّع لتجميد تطبيق قانون الإيجارات أو تعطيل حقوق المالكين والمستأجرين، بل لتنظيم مرحلة انتقالية محددة”.
ويضيف: “مع تحقق الشروط التي علّق المشترع عليها تطبيق المادة، واستكمال الآليات القانونية والإدارية الخاصة بالصندوق، تكون قد استنفدت موضوعها، ويصبح تطبيق أحكام قانون الإيجارات وفق قواعده العامة هو الأصل، مع حصر العمل بالمادة 58 في الحالات التي تتوافر فيها شروطها القانونية على الوجه الذي حدده القانون”.

