كتب فادي عيد
بواقعية ومن دون أوهام، ترسم انطلاقة أولى “المناطق التجريبية” في الجنوب حجم التعقيدات الميدانية التي تعترض تطبيق الآلية التي أرساها اتفاق “الإطار” على كامل المساحة التي سيشملها، تمهيداً لتثبيت وقائع جديدة على الأرض تسمح بطي صفحة الحرب، بدءاً بخفض العمليات العدائية في المرحلة المقبلة. وفي وقت تتقاطع فيه المسارات الأمنية مع دينامية سياسية وديبلوماسية متسارعة، تبرز جولة التفاوض المقرّرة في روما الأسبوع المقبل باعتبارها المحطة الأهم.
وقبل أيام قليلة من موعد “روما 2″، يمكن القول إن إطلاق المنطقة التجريبية يشكل بداية مسار ميداني، كان الجيش قد استبق موعده بالإنتشار في القرى الخالية من أي وجود إسرائيلي، وصولاً إلى القرى المحددة ضمن المرحلة التجريبية، تمهيداً لتعميم التجربة على مناطق أخرى.
ومع كل ما رافق هذه الخطوة من مستجدات أمنية على الأرض، تجزم أوساط سياسية بأن أبرز ما تحقّق يتمثل في إعادة تثبيت سلطة الدولة في مناطق شهدت مواجهات واسعة، بالتوازي مع الجهود الديبلوماسية التي لم تتوقف على خطي واشنطن وروما، والهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لمرحلة إعادة الإعمار.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة ما زال معلقاً على الرفض المطلق من “حزب الله” لأي آليات ديبلوماسية أو أمنية، سواء كانت لبنانية أو أميركية، إنطلاقاً من تمسكه بدور السلاح وبقراءته الخاصة لمفهوم الشراكة الوطنية. وهنا، تقرّ أوساط سياسية مطلعة، بأن الحزب لا يزال يتعامل مع التوازنات الداخلية بمنطق “الميثاقية” كما يفسّرها، مستنداً إلى تمثيله داخل البيئة الشيعية وإلى تحالفه مع الرئيس نبيه بري.
وتشير الأوساط، إلى أن هذا التموضع يأتي رغم التحوّلات التي فرضتها الحرب الأخيرة، والتي أظهرت حجم الخسائر العسكرية والبشرية والإقتصادية التي تكبدها لبنان، ولا سيما الجنوب، بعدما توسّعت المواجهة على خلفية الحرب في غزة.
في المقابل، يبقى رهان الدولة اللبنانية على الديبلوماسية أولاً وأخيراً، إذ تكشف الأوساط المطلعة، أن رئيسي الجمهورية والحكومة يصرّان على إدارة هذه المرحلة الدقيقة عبر القنوات الديبلوماسية، ونقل الملف تدريجياً من إطاره العسكري إلى مسار سياسي يهدف إلى تثبيت الإستقرار في الجنوب، وضمناً فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الإقليمية المرتبطة بإيران، في مقابل تمسك الحزب بالإبقاء على لبنان ضمن معادلة الصراع الأوسع في المنطقة.
وترى الأوساط نفسها، أن نجاح تجربة “المناطق التجريبية” قد يشكل اختباراً لقدرة الدولة على استعادة حضورها الميداني، خصوصاً إذا توسعت لتشمل بلدات أخرى لا تزال متضرّرة أو خاضعة لإجراءات عسكرية إسرائيلية.
ولذلك، تكتسب الفترة الفاصلة عن عودة المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين إلى طاولة “روما 2″، برعاية الوسيط الأميركي، أهمية استثنائية، باعتبارها المحك الأول لاتفاق “الإطار” في مرحلته التطبيقية جنوب الليطاني، والذي قد يفتح الباب أمام توسيع تجربة المناطق التجريبية.
ولا يغيب عن المشهد البند الأكثر خلافاً في الإتفاق، والمتمثل بآلية التحقّق من نجاح التجربة الميدانية، والتي باتت في عهدة الوسيط الأميركي، بحسب الأوساط السياسية المطلعة، التي تكشف عن تعثر على هذا المستوى، نتيجة رفض لبنان وقيادة الجيش إصرار إسرائيل على التحقّق بنفسها من عدم عودة الحزب إلى القرى التي انسحبت منها، ولا سيما أن الجيش يؤكد أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة تعرقل تنفيذ “الإطار” في مراحله الأولى، قبل الإنتقال إلى أي مرحلة لاحقة، سواء كانت التحقّق أو أي خطوة تنفيذية أخرى.

