لم يعد الأردن، الذي حافظ لعقود على صورته بوصفه “جزيرة استقرار” وسط إقليم مضطرب، مجرد دولة عبور أو منطقة عازلة بين القوى المتصارعة، بل تحوّل خلال عام 2026 إلى ساحة مواجهة فعلية، بعدما وضعت إيران القواعد والمنظومات الأميركية المنتشرة على أراضيه في صدارة أهدافها، ضمن استراتيجية ترمي إلى “تعمية” الدفاعات الغربية واستنزافها، وربما تهيئة الأجواء لمرحلة أوسع من الحرب ضد إسرائيل.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع “ماكو” الإسرائيلي، اعتُبر الأردن خلال العقود الماضية دولة عازلة تفصل بين القوى المختلفة الناشطة في المنطقة، وبلدًا يحافظ على هدوء نسبي على امتداد أطول حدود برية مع إسرائيل، رغم التحديات العديدة التي واجهها.
إلا أن عام 2026 قد يشكّل نقطة تحول استراتيجية في موقع المملكة، بعدما كادت هذه الصورة تنهار بالكامل، إذ تحوّل الأردن، من دون أن يكون المبادر إلى ذلك، إلى ساحة قتال نشطة في قلب الفوضى الإقليمية.
وفي ظل هذا الواقع، يحاول الملك عبدالله الثاني المناورة بين اعتماد اقتصادي وأمني شبه كامل على الولايات المتحدة، وبين رأي عام داخلي معادٍ، فيما تجد المملكة نفسها في واجهة أكبر مواجهة شهدتها المنطقة منذ سنوات.
وعلى غرار ما يجري في العراق، لم يعد الأردن مجرد دولة عبور، بل أصبح نقطة استراتيجية أساسية تحاول إيران من خلالها “تعمية” عيون الولايات المتحدة والدول الغربية، مستفيدة من قربه الجغرافي من إسرائيل بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي، من دون أن تتعرض، حتى الآن على الأقل، لرد إسرائيلي مباشر.
وبدأ التحول الكبير في موقع الأردن مع تصاعد التهديدات التي طاولت القواعد الأميركية في الخليج، ما دفع واشنطن إلى اعتماد ما أُطلق عليه اسم “استراتيجية التموضع الغربي”.
واعتبرت الولايات المتحدة أن القواعد الموجودة في دول الخليج تقع على مسافة قريبة جدًا من إيران، وأنها أكثر عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة التي يطلقها الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي جعل الأردن مركزًا لوجستيًا وعملياتيًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الجيش الأميركي في حربه ضد إيران.
وجرى هذا التحول استنادًا إلى اتفاق التعاون الدفاعي الموقّع عام 2021، والذي منح البنتاغون “وصولًا غير محدود” إلى 12 منشأة عسكرية داخل الأردن، بينها 5 قواعد جوية.
ورجّح التقرير أنه لم يكن هناك، عند توقيع الاتفاق، من يتوقع الوصول إلى مرحلة يجري فيها تفعيل هذه البنود ميدانيًا بهذا الحجم.
وتُعد قاعدة “موفق السلطي” التابعة لسلاح الجو الأردني، والواقعة في منطقة الأزرق، أبرز هذه المنشآت، بعدما خضعت لعملية توسعة بلغت كلفتها 143 مليون دولار، وتحولت إلى واحد من أكبر تجمعات الطائرات العسكرية، بما يشمل مقاتلات “إف-15″ و”إف-22” و”إف-35″، إلى جانب طائرات “إم كيو-9 ريبر” المسيّرة.
وساهم بُعد القاعدة عن إيران، إضافة إلى منظومات الحماية المنتشرة فيها، في جعل الطائرات الموجودة فيها أكثر أمانًا، لتنطلق منها في طلعات نحو إيران يبلغ متوسط مدتها بين 5 و6 ساعات.
أما قاعدة “الأمير حسن”، فتحولت إلى مركز أساسي للاستخبارات والمراقبة باتجاه الحدود مع سوريا والعراق، حيث نُشرت فيها، كما في قواعد ونقاط أخرى، منظومات رادار ورصد واستخبارات، إضافة إلى أنظمة دفاعية.
غير أن هذا الوجود الأميركي الواسع حوّل الأردن، من وجهة النظر الإيرانية، إلى هدف استراتيجي من الدرجة الأولى، إذ صنّف الحرس الثوري الهجمات على المملكة ضمن عملية تهدف إلى “تعمية” أنظمة الدفاع الأميركية في المنطقة.
وسجّلت إيران إنجازًا بارزًا في 4 آذار 2026، عندما دمّر هجوم صاروخي دقيق على قاعدة الأزرق وحدة رادار من طراز “إيه إن/تي بي واي-2″، تابعة لمنظومة “ثاد”، وتُقدّر كلفة تصنيعها بنحو 500 مليون دولار.
ويُعد هذا الرادار بمثابة “العمود الفقري” لمنظومة الإنذار المبكر الإقليمية، ولذلك أدى تدميره إلى الإضرار بقدرة الولايات المتحدة وشركائها على رصد إطلاق الصواريخ الباليستية خلال مراحلها الأولى.
وأثبتت إيران من خلال هذه الضربة أنها قادرة على تحديد مواقع البنى الدفاعية الجديدة واستهدافها بعد وقت قصير من نشرها.
وخلال الشهر الأخير أيضًا، تمكّن الإيرانيون من ضرب منشآت استراتيجية وقوات أميركية داخل الأردن، ما أدى إلى مقتل 3 جنود وإحداث أضرار تقدر بعشرات ملايين الدولارات.
ولا تقتصر المعركة الدائرة في أجواء الأردن على الجانب العسكري، بل أصبحت أيضًا معركة أرقام وكلفة اقتصادية غير متكافئة، بعدما نشرت الولايات المتحدة في المملكة أنظمة دفاع متعددة الطبقات، تشمل منظومة “ثاد” لاعتراض التهديدات على ارتفاعات عالية، ومنظومات “باتريوت” لمواجهة الأهداف على ارتفاعات أقل.
وأصبحت كلفة هذه المواجهة مرتفعة جدًا، إذ تبلغ كلفة صاروخ اعتراضي واحد من منظومة “باتريوت” نحو 4 ملايين دولار.
وتستند الاستراتيجية الإيرانية إلى إطلاق رشقات كبيرة وأسراب من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بهدف استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن لدى الولايات المتحدة والأردن.
وبحسب المعلومات المتاحة، تبلغ نسبة الاعتراض الأردنية خلال الجولة الحالية من القتال نحو 80%، مع الإشارة إلى أن المملكة تعتمد على بطاريات “هوك” القديمة إلى جانب المنظومات الأميركية.
ويعني ذلك إنفاق مبالغ طائلة على عمليات الاعتراض، إضافة إلى نجاح صاروخين على الأقل في إصابة أهدافهما خلال كل رشقة إيرانية.
وفي 17 تموز 2026، نجح صاروخ إيراني في اختراق أنظمة الدفاع وأصاب بصورة مباشرة مساكن الجنود داخل قاعدة “موفق السلطي”، ما أدى إلى مقتل 3 جنود أميركيين هم الرقيب أنجل رامبرساد، والرقيب تايلر جيمس فيهان، والرقيب إيزابيلا غونزاليس.
وانضمت هذه الضربة إلى سلسلة حوادث سابقة، من بينها الهجوم على قاعدة “البرج 22” في كانون الثاني 2024، والذي أسفر عن مقتل 3 جنود أميركيين وإصابة 47 آخرين.
وفي المحصلة، سُجلت إصابة مئات الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط منذ آذار، فيما بات الأردن إحدى الساحات المركزية في المواجهة.
وتكمن أهمية الأردن كذلك في وقوعه ضمن مسار الطيران الأكثر فاعلية للصواريخ والطائرات المسيّرة التي تُطلق من غرب إيران باتجاه إسرائيل.
وتشير التقديرات الأمنية الواردة في التقرير إلى أن رشقات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لا تستهدف فقط القواعد الأميركية في الأردن، بل تشكّل أيضًا “عملية تمهيدية” تهدف إلى إضعاف الدفاعات الجوية الأردنية والأميركية، استعدادًا لاحتمال تنفيذ هجوم أوسع على إسرائيل.
وبذلك، فإن إطلاق الصواريخ نحو المملكة والعقبة وأهداف أخرى قد يكون محاولة لـ”تهيئة الأرض” للمرحلة التالية من المواجهة، بالتوازي مع توجيه رسالة مباشرة إلى إسرائيل.
ومنذ أن أصبحت إيران جزءًا أساسيًا من الحرب، اضطر الأردن إلى اعتراض تهديدات كانت متجهة نحو إسرائيل، تحت عنوان حماية سيادته وأجوائه.
إلا أن هذه الخطوة أثارت غضب شرائح واسعة من المجتمع الأردني، التي تنظر إليها بوصفها دفاعًا عن “الكيان الصهيوني”، ما أضاف مستوى جديدًا من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.
ووفق منشورات أجنبية، بدأ التعاون الأمني والعسكري بين إسرائيل والأردن قبل الحرب بسنوات طويلة، واستمر بوتيرة مرتفعة، إذ تحدثت وسائل إعلام أجنبية ومراكز أبحاث عن تعاون عسكري وأمني وثيق، وُصف أحيانًا بأنه “مكثف”، ويشمل تدريبات مشتركة.
وفي حزيران 2025، وخلال عملية “الأسد الصاعد”، اعترض سلاح الجو الأردني عددًا من التهديدات التي أُطلقت باتجاه إسرائيل.
ويصف معهد واشنطن التعاون العسكري بين الدولتين بأنه “مكثف”، مؤكدًا استمراره رغم تصاعد التوتر السياسي على المستوى الرسمي.
وبحسب المعهد، يشكل الأردن شريكًا استراتيجيًا مهمًا يدافع عن أمنه وعن أمن إسرائيل في مواجهة التهديدات الآتية من إيران ووكلائها.
كما أفاد تقرير لموقع “ديفنس سيكيوريتي آسيا” بأن الأردن وإسرائيل كثّفا التنسيق الأمني المباشر بينهما، انطلاقًا من إدراك عمّان أن أداء منظومات دفاعها الجوي يؤثر بصورة مباشرة أيضًا في أمن إسرائيل.
وفي حين تعتمد القيادة السياسية الأردنية في كثير من الأحيان خطابًا حادًا تجاه إسرائيل، خصوصًا بهدف تهدئة الرأي العام الداخلي، تحافظ المستويات الأمنية والعسكرية على تعاون عملياتي يُعد حيويًا للطرفين.
وظهر هذا التقارب بوضوح في 22 تموز 2026، عندما دوّت انفجارات ناجمة عن عمليات اعتراض فوق ميناء العقبة، واهتزت على وقعها مدينة إيلات القريبة، فيما شوهدت سحابة دخان من الجانب الإسرائيلي.
وفي موازاة ذلك، يسود إدراك بأن الملك عبدالله يسير على “حبل رفيع” وخطير، داخليًا وخارجيًا.
وإلى جانب التعاون مع إسرائيل، تقدم الولايات المتحدة للأردن مساعدات سنوية تبلغ قيمتها نحو 1.65 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 8% من موازنة المملكة، وهي نسبة تفوق اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأميركية بنحو 3 مرات.
ومن دون الأموال والحماية الأمنية الأميركية، قد يتعرض حكم الملك عبدالله لخطر الانهيار.
في المقابل، تنحدر غالبية السكان في الأردن من أصول فلسطينية، فيما تحوّل الغضب من الحرب في غزة والضفة الغربية إلى ضغط داخلي متزايد، شمل دعوات إلى إلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل وطرد القواعد الأميركية من البلاد.
وتستغل إيران “الزاوية الفلسطينية” داخل الأردن لشن حرب إعلامية ونفسية في المملكة، عبر تصوير الجيش الأردني على أنه يتعاون مع العدو.
كما تلقى الاقتصاد الأردني، الذي أظهر مؤشرات تعافٍ في نهاية عام 2025، ضربة قاسية بفعل تجدد المواجهة.
ويُعد الأردن دولة صغيرة وضعيفة عسكريًا مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى، إذ يمتلك عشرات الطائرات المقاتلة، جميعها من طراز “إف-16″، فيما تكاد قدراته الهجومية ضد إيران تكون معدومة.
وتعتمد المملكة بصورة كاملة على المظلة الجوية الأميركية، وعلى دعم دول غربية أخرى، بما فيها إسرائيل.
وقد يؤدي أي رد أردني مباشر إلى تحويل المملكة إلى هدف لهجوم إيراني شامل وأكثر قوة، لا يهدد القواعد الأميركية فقط، بل قد يطاول وجود العائلة المالكة نفسها.
وكانت إيران قد قدمت بالفعل احتجاجًا رسميًا إلى الأمم المتحدة ضد الأردن، واتهمته بـ”تقديم مساعدة لأعمال عدائية ضد الأراضي الإيرانية”، في رسالة عُدّت تهديدًا مبطنًا باستمرار الهجمات وتصعيدها.
وباتت الساحة الأردنية الاختبار الأكبر للمحور الأميركي ـ الإسرائيلي ـ العربي المعتدل، إذ تشير التقديرات إلى أن سقوط الأردن تحت الضغط الإيراني سيؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة قدرات وقواعد أساسية في قلب الشرق الأوسط.
كما ستجد إسرائيل نفسها أمام حدود شرقية مفتوحة أمام الجماعات الشيعية والهجمات الصاروخية، من دون “الدرع الهاشمي” الذي يمتص النيران في طريقها إليها.
وهكذا، لم يعد الأردن في عام 2026 دولة تعيش ضمن معادلة “السلام البارد”، بل أصبح بلدًا يخوض “حربًا صامتة” تزداد سخونة يومًا بعد يوم، فيما يرتبط مستقبله بقدرته على الحفاظ على تحالفه مع واشنطن من دون خسارة شرعيته في شوارع عمّان، بعدما تحولت المملكة إلى برميل بارود إقليمي بدأ فتيله بالاشتعال.

