تقترب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اتخاذ خطوة قد تهزّ منظومة حماية اللاجئين عالميًا، بعدما بحثت خلال الأسابيع الأخيرة قطع علاقاتها بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في ظل أزمة مالية حادة تعانيها الوكالة، وتحذيرات من تداعيات إنسانية وسياسية واسعة قد تطاول الدول التي تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، وفي مقدمتها لبنان.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في القناة “N12” الإسرائيلية، نقلًا عن وكالة “رويترز”، درست إدارة ترامب إمكان الانسحاب من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما أطلق تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا على أعلى المستويات داخل الأمم المتحدة لإحباط الخطوة.
وتُعد الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة للمفوضية، التي تواجه أصلًا أزمة مالية قاسية، فيما يحاول مسؤولون أمميون ودبلوماسيون استخدام جميع وسائل الضغط المتاحة لإقناع واشنطن بمواصلة دعمها.
وقال عدد من المصادر لـ”رويترز” إن قرارًا أميركيًا بشأن الانسحاب كان متوقعًا خلال الأسبوع الماضي، إلا أنه لم يصدر في نهاية المطاف أي إعلان رسمي.
ورجحت المصادر أن تكون الضغوط التي مورست خلف الكواليس قد ساهمت في تأخير القرار، أو ربما في منعه، فيما قال مسؤولون أمميون بحذر: «ربما نجحنا في وقف الخطوة».
وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية بهدف مساعدة الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد والعنف.
ووفق 5 مصادر، بدأت المناقشات الأميركية بشأن الانسحاب من المفوضية على خلفية خلاف متعلق بتعيين نائبة للمفوض السامي لشؤون اللاجئين.
وأبلغت إدارة المفوضية داعميها بوجود مخاوف من إدراجها على قائمة سوداء أميركية، ما قد يؤدي إلى وقف التمويل الذي تقدمه واشنطن، إضافة إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من اللجنة التنفيذية للمفوضية.
وحذّر دبلوماسيون وعاملون في مجال الإغاثة من أن وقف التمويل الأميركي سيصيب قدرة المفوضية على العمل بأضرار بالغة، في وقت يقترب فيه عدد النازحين حول العالم من مستويات قياسية، بفعل الحروب المستمرة، ولا سيما في أوكرانيا والسودان.
وقال مصدر في منظمة إغاثية مشاركة في الاتصالات إن مسؤولي المفوضية تواصلوا مع داعميها، وطلبوا منهم الاتصال بمسؤولين داخل الإدارة الأميركية، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا منهم استجاب لهذه الدعوة.
كما أفاد مصدر دبلوماسي آخر بأن كبار مسؤولي المفوضية طلبوا خلال الأسبوع الماضي من داعميها استخدام جميع القنوات الدبلوماسية المتاحة لإقناع الولايات المتحدة بمواصلة دعم المنظمة.
من جهته، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إنه لم يطرأ أي تغيير على مستوى انخراط واشنطن مع مفوضية اللاجئين.
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تزال تعمل مع المفوضية عندما يخدم ذلك مصالح السياسة الخارجية الأميركية أو يساهم في إنقاذ الأرواح.
لكنه أضاف أن الإدارة ستواصل مراجعة دور الولايات المتحدة داخل المنظمات الدولية، استنادًا إلى أمر رئاسي صدر في شباط 2025، ويقضي بمراجعة مشاركة واشنطن في هذه المنظمات وتمويلها.
ومنذ بداية الولاية الثانية لترامب، خفّضت الإدارة الأميركية تمويل عدد من وكالات الأمم المتحدة، وانسحبت من عشرات الهيئات التابعة للمنظمة، من بينها منظمة الصحة العالمية.
وفي موازاة ذلك، دعا مسؤولون في الإدارة دولًا أخرى إلى الانضمام إلى تحرك عالمي يهدف إلى تقليص الحماية الممنوحة لطالبي اللجوء.
وبحسب التقرير، تركز الخلاف على تعيين الدبلوماسية الأميركية تيريزا راي فيرتي، الشهر الماضي، في منصب نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
واختار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي للاجئين برهم صالح فيرتي بدلًا من سايمون هانكينسون، الذي حظي بدعم الولايات المتحدة، وسبق أن اتهم المفوضية بالترويج لـ«أجندة هجرة جماعية».
وقال هانكينسون لـ”رويترز” إنه لو عُيّن في المنصب، لكان قاد إصلاحات داخل المفوضية، وأعادها إلى مهمتها الأصلية المتمثلة في مساعدة اللاجئين، وأخضع موازنتها ونفقاتها لمراجعة دقيقة.
وأضاف أن فيرتي تمثل استمرار الوضع القائم داخل المنظمة.
في المقابل، قال مسؤول سابق كبير في المفوضية إن برهم صالح، الرئيس العراقي السابق واللاجئ السابق بدوره، كان سيواجه معارضة داخلية حادة لو اختار هانكينسون للمنصب.
وكانت الولايات المتحدة أكبر مانح للمفوضية عام 2025، إذ قدمت لها 868 مليون دولار، أي ما يعادل نحو ربع إجمالي التبرعات التي حصلت عليها.
لكن المفوضية تواجه أصلًا أزمة حادة في الموازنة، بعدما انخفض حجم التمويل المتاح لها خلال عام 2025 بنحو 30% مقارنة بالعام السابق.
ودفع هذا التراجع المفوضية إلى إلغاء آلاف الوظائف، فيما أعلنت أنها ستنفذ مزيدًا من التخفيضات خلال العام الحالي.
وحذّر دبلوماسيون وعاملون في الإغاثة من أن انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من المفوضية لن يؤدي فقط إلى تفاقم أزمتها المالية، بل سيضعف أيضًا الدعم لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي تُعد حجر الأساس في منظومة حماية اللاجئين التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية.
وبالنسبة إلى لبنان، الذي يشكل ملف النزوح أحد أكثر قضاياه حساسية، فإن أي انهيار إضافي في تمويل المفوضية لن يبقى أزمة أممية بعيدة، بل قد يتحول سريعًا إلى ضغط اقتصادي واجتماعي وأمني جديد على دولة تكافح أصلًا لإدارة هذا الملف.

