حاولت طهران تحويل مراسم تشييع المرشد الأعلى علي خامنئي إلى استعراض قوة ورسالة تماسك في مرحلة ما بعد الحرب، لكن خلف صور الحشود الكبيرة تبرز أزمة أعمق: اقتصاد منهك، مجتمع منقسم، ارتباك في تنظيم التشييع، وصراع داخل النظام حول مستقبل الاتفاقات مع الغرب.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، شارك مئات الآلاف من الأشخاص خلال الأيام الأخيرة في مراسم تشييع علي خامنئي. وحرصت السلطات في طهران على تقديم الحشود في الشوارع كدليل على قوة الجمهورية الإسلامية بعد الحرب، وعلى وحدة الجمهور، وكأنها رسالة صمود في وجه الأعداء في الخارج والمنتقدين في الداخل.
لكن، وفق التقرير، حتى الصور الكبيرة لعشرات الآلاف لم تنجح في إخفاء التحديات الدراماتيكية التي تقف أمام إيران في المرحلة الجديدة، كما لم تنجح في إخفاء سلسلة من الأحداث المحرجة والمرتبكة التي رافقت التشييع.
وقال رجل دين إيراني بارز تحدث إلى وكالة “رويترز”، إن حجم التجمعات كان يهدف إلى أن يشكل “نوعًا من الاستفتاء” على الدعم للجمهورية الإسلامية. كما ساعدت السلطات في زيادة عدد المشاركين من خلال تقديم تخفيضات على النقل، والطعام، والإقامة.
إلا أن خلف هذه الصور، تظهر حقيقة أكثر تعقيدًا. فحتى مسؤولون إيرانيون يقولون إنه لا يمكن الاستنتاج من حجم الجنازة والحضور الكبير للمواطنين أن الجمهور يمنح ثقة ودعمًا للنظام الإرهابي الوحشي، الذي قتل قبل نصف عام آلاف المتظاهرين في الشوارع، بحسب ما ورد في التقرير. وعمليًا، حتى إذا حاول النظام الإيراني نسب دعم شعبي غير مسبوق لنفسه استنادًا إلى الحضور الكبير في الجنازة، فإن ذلك لا يقدم حلولًا لسلسلة من القضايا المتعلقة بالدعم للنظام والاتجاه الجديد الذي قد يسلكه.
وقال عدد من المواطنين الإيرانيين الذين حضروا مراسم تشييع خامنئي لـ”رويترز” إنهم جاؤوا بدافع واجب ديني، فيما قال آخرون إنهم أرادوا أن يكونوا شهودًا على حدث تاريخي، لا أن يعبّروا عن دعم سياسي للسلطة. أما الصور التي عرضها النظام الإيراني ووسائل الإعلام الرسمية الخاضعة له، فأظهرت حضورًا ضخمًا في الجنازة، بلغ مئات الآلاف وربما ملايين الأشخاص، أحيانًا في حدث واحد، فضلًا عن العدد التراكمي للمشاركين في مختلف الفعاليات.
وقال حميد رضا، وهو مدرس متقاعد يبلغ 63 عامًا من طهران، إنه اعتاد المشاركة في جنازات شخصيات وطنية مركزية. وأوضح أن مشاركته لا تدل على دعم للنظام، بل على رغبته في أن يكون شاهدًا على لحظة مهمة في تاريخ بلاده.
ونقلت “رويترز” تقديرات تفيد بأن السلطة في إيران لا تزال تملك قاعدة دعم أيديولوجية ثابتة تتراوح بين 15% و20% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 93 مليون نسمة. وتستند هذه التقديرات، بين أمور أخرى، إلى نتائج الانتخابات، حيث حصل مرشحون من التيار المتشدد على حجم دعم مشابه. ففي انتخابات الرئاسة عام 2024، حصل سعيد جليلي، المرشح من التيار المحافظ المتطرف، على نحو 13.5 مليون صوت.
وتعد جنازة علي خامنئي حدثًا نادرًا في إيران، إذ إنها المرة الأولى منذ عام 1989 التي يُوارى فيها مرشد أعلى الثرى. في ذلك العام، دُفن سلفه آية الله روح الله الخميني، مؤسس ثورة 1979، في حدث جذب ملايين الأشخاص وسط أجواء من الحماسة الأيديولوجية الكبيرة.
وخلافًا للعرف الإسلامي الذي يفرض الدفن السريع، لم يُدفن خامنئي مباشرة بعد وفاته بسبب الحرب. ومنح التأجيل السلطات وقتًا للاستعداد وإنتاج حدث رسمي واسع النطاق. ومساء أمس، وصل نعش خامنئي أيضًا إلى مدينة النجف في العراق المجاور، ما حوّل مسار جنازته إلى حدث دولي عابر للحدود.
وقال مصدر رفيع لـ”رويترز” إن دوافع المشاركين كانت متعددة. فبعضهم حضر بدافع الإيمان الديني، وآخرون للتعبير عن دعمهم للدولة، فيما كان كثيرون من الأشخاص أنفسهم الذين يشاركون عادة في التظاهرات والفعاليات التي تنظمها السلطات، لكنهم يفعلون ذلك غالبًا رغبة في الشعور بالانتماء والتعبير عن التضامن مع أبناء شعبهم.
وإلى جانب الحداد والحديث عن وحدة، ولو جزئية، داخل الشعب الإيراني، ظهرت أصوات أخرى. فقد أفاد موقع “إيران إنترناشيونال” المعارض بأن مراسم تشييع خامنئي تعثرت بسبب ارتباك وفوضى في التنظيم، وقدمت صورة معاكسة توحي بعدم وجود أعداد كافية من المشاركين في الشوارع، ما اضطر المنظمين إلى تغيير مسار الموكب بسرعة.
وبحسب التقرير، كان من المفترض أن يتحرك موكب التشييع الذي جال في طهران يوم الاثنين من شارع “أنقلاب” أي “الثورة”، باتجاه ساحة “آزادي” أي “الحرية”، إلا أن المنظمين غيّروا المسار من دون إعلان مسبق، ونقلوه إلى شارع آزادي فقط، من دون المرور في الساحة الكبيرة، ما أدى فعليًا إلى تقصير التشييع بشكل كبير.
واعتذر قائد الحرس الثوري في طهران حسن حسن زاده، أمس، من مؤيدي النظام، قائلًا إن المنظمين أرادوا أن يمر الموكب في شارع “أنقلاب” للسماح بمشاركة عدد أكبر من الناس. وأوضح أن “الحضور الشعبي الكبير والطرقات المغلقة” جعلا المسار الأصلي “غير ممكن”.
وجاء هذا التفسير بعد ساعات قليلة فقط من نفي حسن زاده حصول أي تغيير في المسار، إذ كان قد أكد أن “كل الترتيبات المطلوبة” قد أُنجزت. كما قال أمين لجنة تنظيم الجنازة إن المسار عُدّل لحماية “الأمن والسلامة ورفاه” المشاركين.
وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” أن مؤيدي النظام تجمعوا منذ ساعات الصباح الأولى قرب ساحة أنقلاب، انتظارًا لانطلاق الموكب من هناك، وأعربوا عن إحباطهم عندما انطلق الموكب في النهاية من شارع آزادي. وأثار التغيير انتقادات أيضًا بين شخصيات محسوبة على الجمهورية الإسلامية، إذ اتهم النائب المتشدد حميد رضائي المنظمين بـ”عدم الصدق”، فيما قال مهدي فضائلي، وهو عضو في مكتب خامنئي، إن المؤيدين “يشعرون بأنهم خُدعوا في الجنازة”.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، طُرحت رواية أخرى. فقد قال مستخدمون إن المسار قُصّر لأن عدد المشاركين كان أقل من المتوقع، وإن المنظمين أرادوا تقليص إمكانية تصوير مناطق فارغة. وكتب مستخدم على منصة “إكس” يُدعى علي رضا: “كانت المشاركة في المراسم قليلة إلى درجة أن السلطات اضطرت إلى تغيير مسار الجنازة حتى تتمكن على الأقل من ملء بضع مئات من الأمتار في شارع واحد، لكن الفراغ في ساحة آزادي دمّر هذا الخداع”.
وبحسب التقرير، فإن التحديات المركزية التي تواجه إيران لم تختفِ. فقد أدت 4 أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة إلى تفاقم وضع شعب عانى لسنوات من اقتصاد متضرر تحت العقوبات. كما أن التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة ضربا أجور المواطنين وعمّقا الأزمة الاقتصادية. وبعد الحرب، وردت تقارير عن تسريح ما بين مليون و2 مليون مواطن من أعمالهم.
ويأمل كثيرون في إيران في التوصل إلى اتفاق دائم ونهائي ومستقر مع الولايات المتحدة، بما يسمح برفع حقيقي للعقوبات، وفتح السوق، وربما استقبال استثمارات من الغرب، وهو ما سيحسن بالضرورة الوضع الاقتصادي العام في البلاد، وكذلك الوضع الشخصي لكل مواطن. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن هذا السيناريو بعيد، وبات واضحًا للكثيرين أنه حتى إذا حصل اتفاق، فسيتطلب وقتًا أطول بكثير من مهلة الشهرين التي حُددت له. وأمس، أعلنت إدارة ترامب إلغاء الإعفاء من العقوبات الذي منحته لطهران ضمن الاتفاق، بسبب هجمات الحرس الثوري في مضيق هرمز.
وكان الغضب الشعبي من الوضع الاقتصادي قد أشعل موجة الاحتجاج الوطنية الأخيرة، التي تحولت لاحقًا إلى مطلب صريح بإنهاء الحكم الوحشي. وقمعت قوات الأمن التظاهرات في كانون الثاني، وقتلت آلاف المتظاهرين، فيما استمرت عمليات إعدام مشاركين في تلك الاحتجاجات خلال الأشهر التي تلتها، ومن المتوقع أن تستمر لفترة طويلة.
وعندما انتشر خبر وفاة خامنئي في اليوم الأول للحرب، أفاد سكان في طهران بأن هتافات فرح سُمعت في عدد من أحياء المدينة. ووصف مسؤول إيراني سابق شارك في مراسم الجنازة مجتمعًا منقسمًا، يضم معسكرات عدة، بينها أشخاص لا يدعمون النظام لكنهم لا يعارضونه أيضًا بشكل واضح، ويتركز قلقهم الأساسي على الوضع الاقتصادي. وبحسب التقرير، لا يحتاج المرء إلى مصدر من الداخل لمعرفة حالة التوتر والانقسام هذه داخل المجتمع الإيراني، لكن كون الكلام صادرًا عن مصدر رفيع من قلب النظام قد يكشف حجم الصعوبة والتحدي.
وتنقسم الساحة الإيرانية بين متشددين غاضبين من شروط اتفاق وقف إطلاق النار، وبين منتقدين يطالبون بمزيد من الحريات. وفي الأيام الأخيرة، يتعمق الشرخ في قمة النظام بين الجهات المتطرفة التي تعارض أي اتفاق مع الغرب وترى فيه تسوية قاسية جدًا، وبين من يؤيدون اتفاقًا يساعد على تحسين الوضع الاقتصادي.
وتحت كل هذا الصراع، يبقى المواطنون أنفسهم في قلب الأزمة، يحاولون فقط العودة إلى الحياة الطبيعية، فيما تبدو إيران ما بعد الحرب واقفة بين مشهد قوة في الشارع وأزمة عميقة داخل الدولة والمجتمع.

