انتهت واحدة من أكثر القضايا الأمنية غرابة في موناكو بنهاية غامضة قرب كييف، بعدما عُثر على الأوكرانية أنستاسيا بريزوفسكا، المشتبه بأنها زرعت حقيبة مفخخة استهدفت أوليغارشًا أوكرانيًا في “قصر الشمس”، مقتولة بالرصاص بعد أسبوع من التفجير الذي هزّ الإمارة الهادئة وأصاب 3 أشخاص بجروح خطرة.
وبحسب تقرير نشره موقع “ynet” والوكالات، أفادت وسائل إعلام أوكرانية، ظهر اليوم الثلاثاء، بأن أنستاسيا بريزوفسكا، وهي المرأة الأوكرانية المشتبه في زرعها العبوة الناسفة التي انفجرت الأسبوع الماضي في موناكو وتسببت بإصابات خطيرة للأوليغارش الأوكراني فاديم يرمولايف، ولمن وُصفت بأنها عشيقته، ولابنهما البالغ 13 عامًا، عُثر عليها ميتة قرب العاصمة كييف.
ونقل موقع الأخبار الأوكراني “أوكرانسكا برافدا” عن مصادر في أجهزة إنفاذ القانون أن بريزوفسكا قُتلت رميًا بالرصاص، وأن جثتها عُثر عليها ليل أمس قرابة الساعة 23:00 بالتوقيت المحلي.
وكانت بريزوفسكا، البالغة 39 عامًا، قد صُنّفت منذ الأسبوع الماضي المشتبه بها المركزية في محاولة الاغتيال، بعدما أصدر الإنتربول “نشرة حمراء” طلب فيها من أجهزة الشرطة في أنحاء أوروبا المساعدة في القبض عليها.
وفي مذكرة التوقيف الصادرة بحقها، وصفها الإنتربول بأنها مواطنة أوكرانية تتحدث الألمانية، ومطلوبة من السلطات في موناكو بتهم محاولة قتل، وزرع عبوة ناسفة في مكان عام بنية جرمية، والتآمر لارتكاب جريمة.
وكان التفجير في موناكو قد وقع يوم الاثنين الماضي، عندما وضعت بريزوفسكا العبوة داخل حقيبة ظهر عند مدخل مبنى فاخر يُعرف باسم “قصر الشمس”، حيث كان يقيم الأوليغارش الأوكراني فاديم يرمولايف، البالغ 58 عامًا، ومن وُصفت بأنها عشيقته آنا نسوفينا، البالغة 46 عامًا، وابنهما أرييل البالغ 13 عامًا.
وقبيل الساعة 21:00 بقليل، فجّرت بريزوفسكا العبوة عن بُعد من مسافة أمتار قليلة بواسطة هاتف محمول. وأدى الانفجار إلى بتر ساقي نسوفينا، كما أصيبت هي ويرمولايف بجروح شظايا وحروق خطرة. أما الفتى فأصيب بجروح أقل خطورة، ويعاني خصوصًا من حروق وشظايا.
وفي البداية، ساد الاعتقاد بأن المرأة التي أصيبت بجروح خطرة إلى جانب يرمولايف هي زوجته آنا يرمولايفا، البالغة 56 عامًا، إلا أنه تبيّن لاحقًا أنها لم تكن في موناكو في ذلك الوقت، وأن المرأة التي كانت معه في موقع التفجير هي نسوفينا. ووصفت مواقع أخبار عدة نسوفينا بأنها عشيقة يرمولايف، وكذلك بأنها شريكته المعروفة علنًا، رغم أنه لا يزال متزوجًا من يرمولايفا.
وأظهرت تسجيلات كاميرات مراقبة قريبة بريزوفسكا وهي تفرّ من المكان بعد تفجير العبوة، وكانت ترتدي قبعة سوداء، يُشتبه بأنها وضعتها لتبدو كرجل. وبعد ذلك هربت سيرًا على الأقدام إلى فرنسا، حيث لا توجد حواجز أو نقاط تفتيش حدودية بين موناكو وفرنسا، ثم واصلت على الأرجح من بلدة بوسولاي الفرنسية إلى إيطاليا.
وكانت قد طُرحت فرضيات بأنها انتقلت من هناك إلى البلقان، لكن تبيّن الآن أنها وصلت في النهاية إلى أوكرانيا. وحذّر مصدر مشارك في التحقيق الأسبوع الماضي من أنها “مسلحة وخطيرة”، مشيرًا إلى أن التقدير كان أنها موجودة برفقة شركاء في الجريمة.
واليوم، أفاد موقع “أوكرانسكا برافدا”، نقلًا عن مصدر في أجهزة إنفاذ القانون الأوكرانية، بأن مشتبهين اثنين أوقفا بعد العثور على جثة بريزوفسكا، أحدهما ضابط في مديرية الاستخبارات الرئيسية التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية HUR، والثاني عنصر سابق في أجهزة إنفاذ القانون.
وكانت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية قد ذكرت الأسبوع الماضي أنه رغم وجود نظريات تشير إلى أن جهاز الأمن الأوكراني “SBU” كان وراء التفجير، فإن فرضية “تصفية الحسابات” من جانب مجرمين لا تزال تظهر كاتجاه التحقيق الرئيسي.
وبحسب التقرير، كوّن يرمولايف لنفسه أعداء كثيرين على مدى السنوات، وكانت واحدة من أسباب انتقاله إلى موناكو هي مستوى الأمان الذي يُفترض أن توفره الإمارة. وقال سيار كورشوتوف، وهو رجل أعمال أوكراني من شبه جزيرة القرم ويمضي حاليًا وقتًا طويلًا في موناكو، إن صديقه يرمولايف كان “مهووسًا بالأمن”. وأضاف لصحيفة “لوموند” الفرنسية: “فاديم كان يعيش على حد السكين”.
وكانت الشرطة الأوكرانية قد قالت الأسبوع الماضي إنه من المحتمل أن يكون الأوليغارش قد تعرّض للهجوم بسبب علاقاته المزعومة بمخطط احتيال في مراكز خدمات في دنيبرو، بقيمة 100 مليون يورو.
ووفق مصادر في الشرطة، فإن الهجوم العنيف مرتبط مباشرة بتلك المراكز، التي يُزعم أنها استُخدمت لتنفيذ عمليات احتيال مالية واسعة النطاق في أنحاء أوروبا. كما قيل إن عائلة يرمولايف أدت دورًا مهمًا في المخطط، فيما ورد أن اسم الأوليغارش يقع في قلب تحقيق أوروبي واسع يتعلق بمراكز الخدمات السرية.
وفي نهاية عام 2025، أوقف في قبرص الابن الأكبر للأوليغارش، آرثر يرمولايف، البالغ 35 عامًا، بسبب دوره في المخطط. وتم تسليمه إلى إستونيا، حيث خسر نحو 500 عميل قرابة 5 ملايين جنيه إسترليني لكل منهم، وحُكم عليه بالسجن 5 سنوات. وقال كورشوتوف، المقرب من يرمولايف: “إنه يقيم الآن في إسرائيل”.
وفي واقعة أخرى مرتبطة بالقضية، خُطف رجل الأعمال إيغور كوماروف، البالغ 28 عامًا، والذي كان متورطًا في نشاط مراكز الخدمات، ثم عُذّب وقُتل وقُطّعت جثته. ووقع هذا القتل في آذار الماضي عندما كان في إجازة في جزيرة بالي في إندونيسيا.
وقال مصدر أمني إن “القتلة لم يُعثر عليهم أبدًا”، موضحًا أن ذلك “يعطي فكرة عن نوع الأعداء الذين كان يرمولايف يواجههم”.
وكان موقع الأخبار الأوكراني “أوكرانسكا برافدا” قد أفاد الأسبوع الماضي، من جهته، بأن محاولة اغتيال يرمولايف نتجت عن اتفاق فاشل لتقاسم مناطق ونزاعات على ديون غير مدفوعة يُزعم أنها تعود لقادة الجريمة المنظمة في دنيبرو.
وتُعد موناكو ملاذًا ضريبيًا شهيرًا في الريفييرا الفرنسية، ويقيم فيها كثير من كبار الأثرياء في العالم. وتتباهى الإمارة بسمعتها كمكان شبه خالٍ من الجريمة، وتجذب رجال أعمال ومليارديرات ومشاهير من أنحاء العالم.
ومع ذلك، ارتبطت الإمارة في السنوات الأخيرة بسلسلة قضايا فساد، بينها مزاعم عن غسل أموال على يد عصابات تعمل بأسلوب المافيا، بما في ذلك عصابات من أصول أوكرانية.
وقال رئيس وزراء موناكو كريستوف ميرمان الأسبوع الماضي إن محاولة الاغتيال ضد يرمولايف هي “المرة الأولى في التاريخ التي يحدث فيها شيء كهذا لدينا”.
وبين تفجير غير مسبوق في موناكو، ومطاردة عبر أوروبا، وجثة قرب كييف، تبدو قضية “المرأة ذات القبعة السوداء” أبعد من محاولة اغتيال عابرة، وأقرب إلى خيط جديد في شبكة معقدة من المال والجريمة وتصفية الحسابات العابرة للحدود.

