كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن تفاصيل جديدة بشأن الكواليس التي سبقت التوصل إلى مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة دفعت كبار المسؤولين الإيرانيين إلى التحذير من خطر حقيقي يهدد بقاء النظام، وسط أزمة اقتصادية خانقة وصراع متصاعد داخل هرم السلطة حول مستقبل الجمهورية الإسلامية.
وبحسب تقرير موسع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن مراسم التشييع الضخمة للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي هدفت إلى إظهار صورة من القوة والاستقرار والوحدة الوطنية بعد أشهر من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن ما كان يجري خلف الكواليس كان مختلفًا تمامًا، إذ وصفت الصحيفة المشهد بأنه أزمة عميقة يعيشها النظام الإيراني، وانقسام داخل القيادة، ومخاوف حقيقية من التداعيات الوجودية للحرب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة لم تقتصر على الخسائر العسكرية والأمنية، بل أدت إلى أزمة اقتصادية واستراتيجية غير مسبوقة للجمهورية الإسلامية، بعدما توصلت شخصيات بارزة في القيادة إلى قناعة بأن استمرار الحرب قد يهدد بقاء النظام نفسه.
وبحسب التقرير، تمثلت أبرز عناصر الأزمة في تراجع صادرات النفط، والحصار البحري الأميركي، والمخاوف من انهيار قطاعات اقتصادية حيوية.
وفي واحدة من أبرز ما كشفه التقرير، أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تدخل شخصيًا لدى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، حيث نقلت عن 4 مسؤولين إيرانيين أن بزشكيان أبلغه بأن الوضع الاقتصادي وصل إلى نقطة الانهيار، ولوّح بالاستقالة إذا رفضت إيران الاتفاق الجاري التفاوض عليه مع الولايات المتحدة.
وأضاف التقرير أن محافظ البنك المركزي الإيراني بعث رسالة رسمية حذر فيها من أن استمرار الحصار قد يؤدي إلى نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية بحلول نهاية شهر آب.
ووفق المصادر نفسها، فإن التقديرات التي عُرضت على القيادة الإيرانية خلصت إلى أن إيران لم تعد قادرة على تصدير النفط بالكميات اللازمة لتسيير اقتصادها، وأن إيجاد طرق تجارية بديلة لم يعد كافيًا لتلبية احتياجات الدولة.
وأوضحت “نيويورك تايمز” أن هذه التحذيرات كانت من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت مجتبى خامنئي إلى الموافقة على مواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة، رغم المعارضة الأيديولوجية الشديدة داخل التيار المحافظ.
إلا أن قرار فتح باب التفاوض مع واشنطن لم يؤدِ، بحسب التقرير، إلى تهدئة الأوضاع داخل النظام، بل فجر صراعًا على النفوذ بين معسكر يوصف بالبراغماتي يضم شخصيات من الحرس الثوري والرئيس الإيراني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وبين تيار متشدد يرفض أي تسوية مع الولايات المتحدة ويدعو إلى مواصلة المواجهة.
وأشار التقرير إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت تحول الاتهامات المتبادلة بين الطرفين إلى العلن، وشملت اتهامات بالخيانة، ومحاولات انقلاب، وتقويض سلطة المرشد الأعلى.
كما لفتت الصحيفة إلى أن الحرب أحدثت تحولًا في بنية اتخاذ القرار داخل الجمهورية الإسلامية، موضحة أنه بينما حكم علي خامنئي البلاد لعقود بسلطة شبه مطلقة، فإن وفاته تركت فراغًا تتقاسمه اليوم شخصيات عدة، في مقدمها قادة الحرس الثوري وأركان النظام السياسي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن عملية صنع القرار أصبحت أكثر جماعية، في تطور وصفته بأنه كان من الصعب تخيله خلال فترة حكم المرشد السابق.
وفي السياق نفسه، اعتبرت الصحيفة أن الغياب المتواصل لمجتبى خامنئي عن الظهور العلني يزيد من علامات الاستفهام حول قدرته على تثبيت سلطته، مشيرة إلى أنه لم يظهر علنًا منذ توليه منصبه، كما غاب عن عدد من مراسم العزاء الرئيسية بوالده.
وأضاف التقرير أن مجتبى خامنئي كان يرغب في حضور مراسم الدفن التي أُقيمت في مدينة مشهد، إلا أن الأجهزة الأمنية عارضت مشاركته خشية تعرضه لمحاولة اغتيال أو كشف مكان وجوده.
ورغم سعي السلطات الإيرانية إلى تقديم مراسم التشييع على أنها رسالة قوة ووحدة، ترى “نيويورك تايمز” أن ما كشفته مصادرها يرسم صورة مغايرة، تتمثل في نظام خرج من الحرب أكثر ضعفًا، وقيادة تخوض صراعًا داخليًا على مستقبل الجمهورية الإسلامية، بين خيار مواصلة المواجهة وخيار السعي إلى تسوية تاريخية مع الولايات المتحدة بعد ما يقارب 5 عقود من العداء.

