يتجاوز ملف المسار التفاوضي الذي أطلقه اتفاق الإطار الثلاثي مع إسرائيل النقاش القانوني إلى سجال حول السيادة والدستور كما هي الحال عند أي محطة تفاوضية بين لبنان وإسرائيل، سواء تعلق التفاوض بترسيم الحدود البرية أو البحرية أو بترتيبات أمنية أو تقنية. ولم يعد النقاش الداخلي الدائر يتناول الإتفاق بل وضعيته القانونية، للإنطلاق منها إلى تصفية حسابات سياسية، تحت عنوان إلزامية المرور بمجلس الوزراء ثم مجلس النواب؟
صحيح أن هذا الجدل ليس جديداً، إلاّ أنه يكتسب أهمية مضاعفة في ظل الإنقسام حول “اتفاق الإطار” الذي يُفترض أن ينظم المرحلة المقبلة. فالتسمية بحد ذاتها لا تحسم المسألة، لأن العبرة، من منظور الدستور، ليست بعنوان الإتفاق، بل بمضمونه وما يرتبه من آثار قانونية وسيادية.
في المطلق، يكتسب النقاش القانوني حول اتفاق الإطار مع إسرائيل بعداً سياسياً واضحاً، فالمؤيدون لا ينطلقون في مواقفهم من مقاربة قانونية بقدر ما يستندون إلى اعتبارات سياسية، فيما يتمسك المعارضون بالمؤسسات الدستورية، ولا سيما مجلس النواب، باعتباره المرجع أو “السدّ”، الذي يملك صلاحية إقرار أو إسقاط الإتفاق.
ويؤكد المحامي وأستاذ القانون الدستوري الدكتور عادل يمين، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن المادة 52 من الدستور تشكل المرجعية الأساسية في هذا المجال، إذ تمنح رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض بشأن المعاهدات الدولية، لكنها تشترط موافقة مجلس الوزراء، ومن ثم تصديق مجلس النواب، حتى تصبح نافذة.
ويميّز الخبراء الدستوريون بين نوعين من الإتفاقات، الأول هو الإتفاق الإجرائي أو الأمني أو السياسي الذي يقتصر على تحديد آلية التفاوض أو المبادئ العامة الناظمة له، من دون أن ينشئ التزامات نهائية أو يعدّل الوضع القانوني للدولة، وبالتالي، قد لا يرقى إلى مرتبة المعاهدة الدولية التي تستوجب تصديق المجلس النيابي.
في المقابل، يرى الدكتور يمين أن اتفاق الإطار المطروح يستوجب الإقرار في مجلس النواب، مشدداً على أن العبرة ليست في تسمية الإتفاق، بل في مضمونه وما يرتبه من نتائج قانونية.
ورداً على سؤال حول مصير الإتفاق في ظل الإنقسام السياسي الحاد، يجزم يمين بأن الإتفاق لا يصبح قائماً ونافذاً قبل موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب، وإن كان لا يتوقع أن يحظى بموافقة أي منهما في الظروف السياسية الراهنة.
وبناءً عليه، هل يحتاج اتفاق الإطار إلى المرور في الحكومة ثم في مجلس النواب؟
بحسب تقدير الخبراء، إذا تضمن الإتفاق تحديداً نهائياً للحدود، أو أنشأ حقوقاً والتزامات متبادلة، أو مسّ بممارسة الدولة لسيادتها، فإن طبيعته القانونية تتغير، ليصبح أقرب إلى المعاهدة الدولية، ويخضع حكماً للأصول الدستورية المنصوص عليها في المادة 52، بما يعني وجوب إقراره في مجلس الوزراء ثم التصديق عليه في مجلس النواب. وهذا ما يستند إليه الدكتور يمين في قراءته القانونية التي تنطلق من مضمون الإتفاق لا من شكله.
وعليه، فإن العبرة ليست في تسمية الوثيقة “اتفاق إطار” أو “مذكرة تفاهم”، وإنما في النتائج القانونية المترتبة عليها، والتي قد تجعلها معاهدة دولية تستوجب المرور بالمؤسسات الدستورية، أو مجرد إعلان نيات أو ترتيبات أمنية لا تتطلب إقراراً حكومياً أو نيابياً.
وفي ظل احتدام الجدل السياسي حول الإتفاق وتباين الإجتهادات بشأن تفسير بنوده، إضافة إلى ما نُشر في إسرائيل عن بنود سرية لم يُعلن عنها رسمياً، تبرز مقاربة مختلفة، تركز على أن مضمونه يتجاوز الإطار القانوني البحت، ما يجعل إقراره في مجلس النواب خطوة دستورية ملزمة، تشكل أيضاً ضمانة قانونية وسياسية تحول دون تعريضه لأي طعن مستقبلي.

