كشفت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية عن تدهور الروح المعنوية داخل “البنتاغون” إلى أدنى مستوياتها، وسط اتهامات لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث باعتماد أسلوب إدارة متشدد وفردي، وتجاهل اعتراضات ضباطه ومرؤوسيه، في مرحلة تشهد تغييرات واسعة داخل القيادة العسكرية الأميركية.
وبحسب الصحيفة، نقلًا عن مصادر مطلعة داخل البنتاغون، فإن هيغسيث يتعمد تجاهل الانتقادات والاعتراضات التي يرفعها ضباط ومسؤولون في الوزارة، مكتفيًا بالرد عليهم بعبارة حاسمة: “لأنني قلت ذلك”.
ولم تقف الاتهامات عند حدود التفرد بالقرار، إذ نقلت “ديلي ميل” عن مسؤول أميركي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن هيغسيث يسمح لـ”السياسة والأنانية” بالتأثير في قراراته، ما أدى، بحسب قوله، إلى تراجع قدرته على الاستماع إلى آراء العاملين تحت إمرته.
وأشارت المصادر إلى أن البنتاغون يشهد موجة واسعة من الإقالات أو المغادرات المثيرة للجدل، أثارت حالة من الإحباط بين عدد من كبار القادة العسكريين، وخلقت ارتباكًا داخل صفوف مرؤوسيهم السابقين، في وقت حساس بالنسبة إلى جاهزية المؤسسة العسكرية الأميركية وسير العمل داخل الوزارة.
وفي أبرز هذه الملفات، توقفت الصحيفة عند مغادرة الجنرال كريستوفر دوناهو، القائد السابق للقوات البرية الأميركية في أوروبا وإفريقيا، منصبه، معتبرة أن الخطوة شكّلت صدمة داخل أروقة الوزارة. وكانت وكالة “أسوشييتد برس” قد أفادت بأن الجيش الأميركي أكد أن دوناهو سيتخلى عن قيادته في 2 تموز 2026، بعد نحو 18 شهرًا فقط على توليه المنصب، في إطار تحولات أوسع داخل وزارة الدفاع.
كما ذكرت “رويترز” أن دوناهو، الذي يتولى أيضًا قيادة القوات البرية لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، سيغادر منصبه في 2 تموز، وسط تقارير عن توترات داخلية واحتمال إقالته منذ فترة بسبب خلافات مع وزير الحرب بيت هيغسيث.
ووصف أحد مصادر “ديلي ميل” رحيل الجنرال دوناهو بأنه كان أشبه بـ”ضربة في المعدة” للروح المعنوية لدى القادة العسكريين، معتبرًا أن إبعاده جاء ضمن توجهات تعسفية في إدارة الوزارة.
في المقابل، يحاول البنتاغون احتواء الأزمة عبر رواية رسمية مختلفة، إذ يؤكد مسؤولون أن الجنرال دوناهو غادر منصبه بمحض إرادته، وهي رواية تتناقض، بحسب الصحيفة، مع ما يتداوله عدد من المطلعين داخل أروقة الوزارة.
وتأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ أوسع يقودها هيغسيث لإعادة تشكيل القيادة العسكرية الأميركية. ووفق “أسوشييتد برس”، فإن مغادرة دوناهو تتداخل مع توجهات داخل وزارة الدفاع لخفض عدد كبار القادة العسكريين، والتركيز على عناصر الرتب الأدنى بدل تضخم مواقع الجنرالات، إضافة إلى مراجعة وضع القوات الأميركية في أوروبا ودفع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي إلى تحمل مسؤوليات دفاعية أكبر.
وتحمل قضية دوناهو رمزية خاصة داخل الجيش الأميركي، إذ إنه يُعد من أبرز الضباط الذين خدموا في ملفات حساسة، وكان آخر جندي أميركي يغادر أفغانستان عام 2021، كما تولى قيادة القوات البرية الأميركية في أوروبا وإفريقيا في مرحلة دقيقة مرتبطة بالحرب الأوكرانية وموقع واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي.
وتعكس التسريبات المنسوبة إلى مصادر داخل البنتاغون أزمة ثقة متصاعدة بين القيادة السياسية الجديدة في وزارة الدفاع وعدد من الضباط الكبار، خصوصًا مع تزايد الحديث عن قرارات مفاجئة، وإقالات غير مبررة، وإدارة قائمة على الولاء السياسي أكثر من الاعتبارات المهنية.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أنها لا تتصل فقط بخلافات إدارية داخل مؤسسة عسكرية ضخمة، بل تطال معنويات القيادات والضباط، وقدرة البنتاغون على العمل بانسجام في لحظة تتعدد فيها التحديات أمام الولايات المتحدة، من أوروبا إلى الشرق الأوسط والمحيط الهادئ.
وبين رواية رسمية تتحدث عن مغادرات طوعية وإعادة هيكلة طبيعية، ومصادر تتحدث عن “استبداد إداري” وإحباط واسع داخل الوزارة، يجد هيغسيث نفسه أمام اختبار حساس: هل ينجح في فرض رؤيته على البنتاغون، أم تتحول موجة التغييرات إلى أزمة ثقة داخل واحدة من أهم المؤسسات العسكرية في العالم؟

