فجأةً ومن دون إنذار للبنانيين باستثناء “العارفين”، وبينما كان المواطن يراهن على تراجع سعر النفط عالمياً لتراجع أسعار السلع، أتى المرسوم الأخير، الذي يفرض ضرائب “شاملة” على “كل شيء من المحروقات إلى الغذاء فالدواء”، والذي يحمل “من حيث الشكل”، أبعاداً بيئية ومالية في آن.
أطلقت الحكومة نظاماً جديداً للضرائب البيئية، يفرض رسوماً تتراوح بين 1% و3% على معظم السلع المستوردة والمنتجة محلياً، وذلك في محاولة لتأمين مصدر تمويل دائم لإدارة النفايات، في وقتٍ تعاني فيه المالية العامة من ضغوط غير مسبوقة.
والمرسوم رقم 3214، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 حزيران 2026، يستند إلى مبدأ “الملوّث يدفع”، لكنه يتجاوز البعد البيئي ليشكّل أداةً مالية تهدف إلى نقل جزء من كلفة معالجة النفايات من الخزينة العامة إلى المنتجين والمستوردين، وبالتالي إلى السوق والمستهلكين.
ووفق أستاذ الإقتصاد البروفسور جاسم عجاقة، فإن هذا المرسوم يقسّم السلع إلى أربع شرائح ضريبية وفق طبيعتها وتأثيرها البيئي. وعن هذه الضرائب، يوضح البروفسور عجاقة ل”ليبانون ديبايت”، أنه تم تحديد الضريبة عند 1% للسلع الأساسية، مثل الحيوانات الحية واللحوم ومنتجات الألبان والحبوب والأدوية، بهدف الحدّ من انعكاسها على الأمن الغذائي والصحي.
أمّا بالنسبة للسلع الإستهلاكية والصناعية الإعتيادية، كالمشروبات والتبغ والأخشاب والورق والمنسوجات والآلات، فيشير عجاقة إلى أنها تخضع لضريبة تبلغ 1.5%.
في المقابل، ترتفع النسبة إلى 2% على الوقود والزيوت المعدنية والبلاستيك والمواد الكيميائية العضوية والمطاط، وهي الفئة التي يتوقع عجاقة أن تحقق الجزء الأكبر من الإيرادات بسبب اعتماد الإقتصاد اللبناني الكبير على استيراد الطاقة والمواد الأولية.
أمّا عن النسبة الأعلى من الضريبة، يكشف عجاقة أنها تصل إلى ما بين 2.5% و3% على بعض المواد ذات الأثر البيئي الأعلى، مثل الزيوت والشحوم الصناعية، والمواد الكيميائية المتخصصة، وخلاصات الصباغة والأسلحة.
وعن الإيرادات المتوقعة التي ستجنيها الخزينة من هذه الضرائب الجديدة، فيؤكد عجاقة أنه على الرغم من شمولية المرسوم، فإنه لا يتضمن أي تقديرات رسمية لحجم الإيرادات المتوقعة، وهو أمر ينسجم مع آلية إعداد المالية العامة في لبنان، حيث تُحدد الأهداف الإيرادية عادةً، ضمن قانون الموازنة السنوية لا في المراسيم التنفيذية.
ويرجّح عجاقة أن تأتي الحصة الأكبر من الإيرادات من الرسوم المفروضة على المحروقات والمنتجات البلاستيكية، فيما تؤمّن السلع الأساسية قاعدة تحصيل واسعة بفضل حجم تداولها المرتفع.
لكن فعالية النظام الجديد تبقى مرتبطة بحسب عجاقة، بقدرة الدولة على التحصيل، فمع استمرار توسّع الإقتصاد غير الرسمي، فمن المتوقع أن تبقى المرافئ والمعابر الشرعية نقطة الجباية الأساسية، بينما قد يفلت جزء كبير من الإنتاج المحلي والتجارة النقدية من نطاق الضريبة.
لكن الأخطر هنا، هو أنه وبمعزلٍ عن اعتماد الحد الأدنى من الضريبة على المواد الغذائية والأدوية، يتحدث عجاقة عن أن الهيكل العام للرسم، يثير مخاوف من موجة ارتفاع جديدة في أسعار الغذاء والدواء.
ولا تقف الزيادة عند هذه الحدود، إذ أن الضريبة البالغة 2% على الوقود والزيوت المعدنية تعني عملياً، كما يوضح عجاقة، زيادةً في كلفة الكهرباء الخاصة والنقل، وهما عنصران يدخلان في معظم الأنشطة الإقتصادية في لبنان، كما أن إخضاع البلاستيك بالنسبة نفسها يرفع كلفة التغليف والتصنيع.
وبالتالي، وفي اقتصادٍ يعتمد بصورة واسعة على المولدات الخاصة وسلاسل نقل مرتفعة الكلفة، يؤكد عجاقة أن قدرة الشركات على امتصاص هذه الزيادات محدودة، ما يجعل انتقالها إلى المستهلك النهائي، إحتمالاً كبيراً.
ومن المعلوم أنه ومن الناحية النظرية، تهدف الضرائب البيئية إلى تغيير السلوك الإقتصادي، عبر جعل الأنشطة الأكثر تلويثاً أكثر كلفةً، وتشجيع الإستثمار في بدائل أقل ضرراً بالبيئة.
غير أن نسب الضريبة التي لا تتجاوز 3%، تطرح تساؤلات حول قدرتها على تحقيق هذا الهدف، إذ يرى عجاقة أن هذه القدرة تبدو منخفضة مقارنةً بالمستويات التي تدفع الشركات أو المستهلكين إلى تعديل خياراتهم الإنتاجية أو الإستهلاكية.
وعليه، يخلص عجاقة إلى أن الوظيفة الأساسية للمرسوم تبقى مالية أكثر منها بيئية، إذ يؤمن مورداً ثابتاً يمكن أن يساهم في تمويل إدارة النفايات، وهي من أكثر القطاعات التي عانت من نقص التمويل خلال السنوات الماضية.
وعن احتمالات نجاح هذه السياسة، فلا يُخفي عجاقة أنها مرتبطة بوجهة استخدام الإيرادات، فإذا خُصصت فعلياً لتطوير البنية التحتية لمعالجة وفرز النفايات، فقد تشكل بدايةً لإصلاح طال انتظاره، أما إذا ذهبت إلى تمويل عجز الموازنة، فستتحول الضريبة إلى عبء إضافي على الإقتصاد من دون تحقيق الأهداف البيئية التي أُقرت من أجلها.

