خاص JNews Lebanon
يستفيق لبنان اليوم على مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد والخطورة، حيث يتشابك المسار الدبلوماسي بين جبال سويسرا الخضراء وأروقة وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن. ومع دخول الجبهة الجنوبية أطول فترة هدوء حذر منذ اندلاع المواجهات الأخيرة في الثاني من آذار الفائت – حيث وصفت مراجع أمنية الالتزام بوقف إطلاق النار بأنه “شبه كامل” – يبدو أن الشياطين الكامنة في تفاصيل “الملفات التقنية” بدأت تثير عاصفة من الكباش السياسي والسيادي داخل الصالونات المغلقة في بيروت.
اقرأ أيضاً في الحصاد- كواليس بورغنشتوك: هل فخّخ نتنياهو الاتفاق الأميركي-الإيراني من تلة علي الطاهر؟
تقاطع جنيف وواشنطن: تكامل ديبلوماسي أم اعتراف مبطن بالوصاية؟
بين قمة بحيرة لوسيرن والاجتماعات التقنية المرتقبة في منتجع “بورغنشتوك”، نجح لبنان في حجز مقعد له في “مجموعة العمل الدولية لفض الاشتباك” بمشاركة أميركية-إيرانية ورعاية قطرية-باكستانية. غير أن هذا الاختراق الدبلوماسي يحمل في طياته “حَمّال أوجه” يثير ريبة الأوساط السياسية في العاصمة اللبنانية.
مصادر ديبلوماسية موثوقة لـ JNews Lebanon:
كشفت مصادر ديبلوماسية رفيعة لموقعنا أن المقترح الأميركي المرتبط بـ “خلية فض الاشتباك” يتضمن في ملاحقه السريّة إرساء ميكانيزم مراقبة تقني وتكنولوجي متطور على طول الخط الأزرق والمناطق التجريبية منزوعة السلاح.
وأشارت المصادر إلى أن الخبث السياسي في هذا الطرح يكمن في منح إيران – عبر ذراعها وسلاحها في الجنوب – دوراً رقابياً أمنياً ضمنياً، وهو ما اعتبرته قوى المعارضة بمثابة اعتراف أميركي رسمي بالنفوذ الإيراني فوق الأراضي اللبنانية، ومحاولة للالتفاف على دور لجنة “الميكانيزم” التقليدية التي تغيب عنها إسرائيل في هذا الطرح الجديد.
بعبدا تحسم الجدل: لا تفاوض بالنيابة عن الدولة
أمام هذا الضغط، جاء الموقف الحاسم من قصر بعبدا؛ حيث قطع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الطريق على محاولات “استرداد الورقة اللبنانية” وحصرها في السلة الإيرانية، مجدداً التأكيد في مواقفه بـأن “لبنان بلد ذو سيادة، ونتفاوض عن أنفسنا ولا أحد يفاوض باسمنا، والفرق كبير بين من يسعى لمساعدتنا ومن يتدخل في شؤوننا”.
وقد تلّقى الرئيس عون اتصالاً ثلاثياً بارزاً من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وكبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تم التأكيد خلاله على أن آلية واشنطن واضحة: حماية أمن المنطقة، الالتزام بالانسحاب الإسرائيلي الكامل غير المشروط، حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية، وبسط سيادة الدولة دون أي تسويف أو تأجيل.
اقرأ أيضاً خاص- الـ “60 يوماً” السويسرية تحت المقصلة: مسوّدة أميركية سريّة تُقلق بيروت..
كباش الرموز والخسائر: “شكراً إيران” مقابل فاتورة المليار دولار!
وعلى أرض الواقع، يتجلى الانقسام اللبناني بأبهى صوره؛ فبالتزامن مع توجه الأنظار إلى الجولة الخامسة من المفاوضات المختلطة (الدبلوماسية والعسكرية) في وزارة الخارجية الأميركية، عمد “حزب الله” إلى رفع صور عملاقة للمرشدين علي خامنئي ومجتبى خامنئي على طريق مطار بيروت الدولي مذيلة بعبارة “شكراً إيران الوفية”، في رسالة تحدٍ واضحة للداخل والخارج تؤكد تمسكه بالمرجعية الإقليمية.
هذا الاستعراض السياسي يقابله واقع مرير بالأرقام؛ حيث كشفت التقديرات الأولية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية أن حجم الأضرار المباشرة التي لحقت بالأبنية والمنشآت السكنية في الجنوب جراء آلة الحرب الإسرائيلية تخطى عتبة المليار وأربعين مليون دولار أميركي، وهي فاتورة هائلة تقع على كاهل دولة منهكة اقتصادياً، بينما يدور النقاش خلف الكواليس حول شروط إعادة الإعمار وربطها بالاستقرار الأمني المستدام.
ينطلق قطار التفاوض اليوم في واشنطن على مدى ثلاثة أيام، حيث تسعى السفيرة اللبنانية بإيعاز رسمي لانتزاع تعهدات أميركية مكتوبة تمنع أي خروقات إسرائيلية مستقبلاً؛ فهل تنجح ديبلوماسية “الدولة” في تثبيت استقلال قرارها الوطني، أم أن محاور الإقليم ستفرِض شروطها الإستراتيجية تحت غطاء الدخان الدبلوماسي السويسري؟
اقرأ أيضاً خاص- شظايا فرنجية تطال عين التينة: فيتو أميركي يهدد الرؤوس الكبيرة!

