في وقت تتزايد فيه مؤشرات التباعد بين واشنطن وتل أبيب حول عدد من الملفات الإقليمية، تتجه الأنظار إلى العلاقة المتنامية بين إسرائيل والهند، والتي يصفها مراقبون بأنها إحدى أكثر الشراكات الاستراتيجية رسوخًا في السنوات الأخيرة، وسط حديث متصاعد عن تحول نيودلهي إلى شريك أساسي لإسرائيل في مرحلة تتسم بتغير موازين القوى الدولية.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون، في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، استند إلى تحقيق موسع نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي كان أول زعيم دولي يبادر إلى الاتصال برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب هجوم 7 تشرين الأول 2023 الذي أوقع نحو 1200 قتيل في إسرائيل، متقدماً على قادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.
ويشير التقرير إلى أن موقف مودي لم يكن عابرًا، بل يعكس عمق العلاقة التي تطورت بينه وبين نتنياهو على مدى 12 عامًا، واستندت إلى رؤية مشتركة تقوم على مكافحة ما يصفه الطرفان بـ”الإرهاب الإسلامي” وتبني مقاربات قومية متقاربة في إدارة شؤون الدولة.
ووفقًا للتقرير، يرى منتقدو الزعيمين أنهما يتشاركان سمات متشابهة تتعلق بتراجع استقلالية المؤسسات الديمقراطية والتشدد تجاه الأقليات، إلا أن ذلك لم يمنع نشوء شبكة تعاون واسعة بين البلدين تشمل المجالات الاستخبارية والأمنية والتكنولوجية والعسكرية والاقتصادية.
وتُعد الهند اليوم من أكبر مستوردي الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، إلى درجة أن أحد الباحثين في مؤسسة “أوبزرفر ريسيرش فاونديشن” الهندية شبّه إسرائيل بالنسبة للجيش الهندي بـ”متجر وول مارت ضخم ومجهز للأسلحة”، يوفر أنظمة متطورة من دون القيود السياسية التي تفرضها دول غربية أخرى.
كما يبرز التعاون الاقتصادي من خلال مجموعة رجل الأعمال الهندي غوتام أداني، الذي اشترى ميناء حيفا مقابل 1.2 مليار دولار، ويشارك في مشاريع مشتركة مع الصناعات العسكرية الإسرائيلية، من بينها تصنيع طائرات “هرمس” المسيّرة والذخائر الجوالة من طراز “هاروب”.
ويضيف التقرير أن ضباطًا إسرائيليين يزورون بشكل متكرر مقار الجيش الهندي، فيما تحافظ أجهزة الاستخبارات، وفي مقدمتها “الموساد”، على مستوى مرتفع من التنسيق والتعاون مع نظيراتها الهندية.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل ما يصفه التقرير بتزايد العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل. فبينما يواجه نتنياهو مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ويتعرض لانتقادات متصاعدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبدو الصورة مختلفة تمامًا في الهند.
ويشير التقرير إلى أن مودي كان آخر زعيم يزور إسرائيل قبل الضربة الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط، كما أنه اكتفى بعد العملية بالدعوة إلى “التهدئة” من دون توجيه أي إدانة لإسرائيل.
ونقل التقرير عن السفير الإسرائيلي لدى الهند رؤوفين عازر قوله إن نتنياهو ومودي اختارا التمسك بالهوية الوطنية في وقت كان العالم يتجه نحو مقاربات أكثر عالمية، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من الرأي العام الهندي ينظر إلى إسرائيل على أنها تواجه “الإسلام الراديكالي” بشجاعة، ما يعزز التقارب الشعبي بين الجانبين.
وتعود جذور هذه العلاقة إلى حرب كارغيل عام 1999، حين زودت إسرائيل الهند بالأسلحة والذخائر في وقت امتنعت فيه قوى غربية عن تقديم الدعم بسبب التجارب النووية الهندية، لتتحول العلاقة منذ ذلك الحين، ولا سيما خلال عهد مودي، من تعاون محدود إلى تحالف معلن.
ويورد التقرير مثالًا على عمق هذه الشراكة من خلال قضية اعتقال 8 ضباط من البحرية الهندية في قطر خلال آب 2022 بتهمة التجسس لصالح إسرائيل على برنامج الغواصات القطري. وقد حُكم عليهم بالإعدام قبل الإفراج عنهم لاحقًا بعد توقيع الهند اتفاقًا ضخمًا للغاز مع الدوحة يمتد 20 عامًا.
كما امتد تأثير العلاقات الثنائية إلى المجال الثقافي، حيث استلهم فيلم بوليوودي ناجح بعنوان “دوراندهار” بعض عناصره من المسلسل الإسرائيلي الشهير “فوضى”، فيما التقى ممثلو العمل رئيس الوزراء الهندي خلال إحدى زياراته.
ورغم هذا التقارب، تواجه سياسة مودي انتقادات داخلية. فعدد من أركان المؤسسة السياسية الهندية التقليدية يعارضون الابتعاد عن القضية الفلسطينية والإضرار بالعلاقات مع إيران.
وفي هذا السياق، اتهمت سونيا غاندي، إحدى أبرز قيادات حزب المؤتمر المعارض، رئيس الوزراء الهندي بـ”الجبن الأخلاقي” والتخلي عن المبادئ الإنسانية نتيجة دعمه غير المشروط لإسرائيل، مشيرة إلى صمت نيودلهي حتى بعد اغتيال المرشد الإيراني هذا العام.
ومع ذلك، يجمع الخبراء الذين تحدثوا إلى “فايننشال تايمز” على أن الشراكة الإسرائيلية – الهندية أصبحت أعمق من أن ترتبط بشخصي مودي ونتنياهو فقط، وأنها باتت مؤسسة على مصالح استراتيجية طويلة الأمد تجعلها مرشحة للاستمرار بغض النظر عن التغييرات السياسية المقبلة.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في التحالفات الدولية، تبدو الهند بالنسبة لإسرائيل أكثر من مجرد شريك اقتصادي أو عسكري، بل ركيزة استراتيجية تراهن عليها تل أبيب في مواجهة مرحلة تزداد فيها الضغوط والتحديات.

