في خضم سعيه لتحويل المواجهة مع إيران إلى إنجاز سياسي ودبلوماسي، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة: كيف يخرج من الأزمة من دون أن يبدو وكأنه تراجع؟ وفي المقابل، كيف يمنع أي تصعيد في لبنان من تقويض المسار الذي يحاول رسمه نحو اتفاق إقليمي واسع؟ هذا السؤال، وفق قراءة إسرائيلية، يقف في صلب التوتر المتصاعد بين واشنطن وتل أبيب.
وبحسب مقال تحليلي للبروفيسور عوزي رابي نشره موقع “واللا” الإسرائيلي، فإن الخلاف بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يمكن اختصاره بمسائل شخصية أو بمكالمة هاتفية متوترة، بل يرتبط باعتبارات استراتيجية أعمق تتصل بمستقبل المواجهة مع إيران ومسار التسويات في المنطقة.
ويرى الكاتب أن ترامب يحاول الخروج من “المتاهة الإيرانية” التي أدخل نفسه فيها نتيجة سلسلة من القرارات المتسرعة، من خلال بناء رواية تقوم على اتفاق إقليمي واسع، بحيث تصبح كل خطوة إسرائيلية في لبنان خاضعة لسؤال واحد: هل تخدم هذا المسار أم تعرقله؟
ويشير إلى أن ترامب لا يزال يمتلك أدوات قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة، وما زال قادراً على تحويل الأزمات إلى فرص، إلا أن الوقائع الحالية تدفعه إلى البحث عن مخرج سياسي بعدما بدأ المواجهة مع إيران بلغة الحسم العسكري.
ويضيف أن الرئيس الأميركي يريد اتفاقاً، لكنه لا يستطيع القبول باتفاق محدود أو تقني أو باهت، قد يبدو وكأنه نسخة متأخرة من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ولكن بعد حرب أكثر كلفة وضجيجاً.
وبحسب الكاتب، كلما طال أمد المفاوضات وتأجلت معالجة الملفات الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني واليورانيوم المخصب، تراجعت قدرة ترامب على الادعاء بأن الإنجاز العسكري تحول إلى إنجاز سياسي واضح.
ويعتبر أن إيران تدرك هذه المعادلة جيداً، إذ لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة، بل يكفيها أن تجعل ترامب أكثر حاجة إلى الاتفاق مما هي بحاجة إلى توقيعه سريعاً، وعندها يتحول عامل الوقت إلى ورقة ضغط على واشنطن.
ومن هنا، يرى الكاتب أن ترامب بات يبحث عن إطار أوسع من مجرد تفاهم مؤقت أو محادثات حول الملف النووي أو إعادة فتح مضيق هرمز، بل عن قصة إقليمية متكاملة تشمل تهدئة الأسواق وعودة الاستقرار إلى دول الخليج وتوسيع اتفاقات أبراهام، وربما تقديم صورة عن شرق أوسط جديد.
ويؤكد أن هذه الحاجة إلى إطار سياسي أوسع تزيد في المقابل من الضغوط على إسرائيل لدفع ما يسميه “ثمن الخروج”، أي الامتناع عن إشعال الساحة اللبنانية أو توسيع الضربات على بيروت أو منح إيران فرصة للقول إن المفاوضات انهارت بسبب إسرائيل.
ويقول الكاتب إن جزءاً مهماً من التوتر الحاد بين واشنطن وتل أبيب نابع من هذه الاعتبارات، موضحاً أن ترامب “ليس غاضباً فقط من خطوة معينة، بل من كل ما يمكن أن يعرقل طريق خروجه من الأزمة”.
كما يشير إلى أن العامل الداخلي الأميركي يلعب دوراً إضافياً في حسابات البيت الأبيض، في ظل ظهور مؤشرات تعب متزايدة داخل الكونغرس من استمرار الحرب.
ويضيف أن أصواتاً داخل اليمين الأميركي، بما في ذلك شخصيات محافظة بارزة، بدأت تحذر من أن ترامب يفقد السيطرة على مسار المواجهة مع إيران، ما يضعه أمام ضغوط متناقضة: عدم الظهور بمظهر الضعيف أمام طهران، وعدم التحول إلى نسخة أخرى من أوباما، وعدم الانجرار إلى حرب طويلة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على رواية الانتصار.
ومن هذا الواقع، بحسب الكاتب، تنشأ “السقف الزجاجية” التي تواجهها إسرائيل في لبنان. فهي تستطيع الضغط على حزب الله، لكن ليس إلى حد تغيير المعادلة بالكامل، ويمكنها الدفاع عن الشمال، لكن ليس بطريقة تهدد المسار التفاوضي مع إيران، كما يمكنها تنفيذ ضربات، لكن من دون إحداث تغيير جذري في الواقع القائم.
ويحذر الكاتب من أن الخطر يكمن في تحوّل التسوية الإقليمية إلى أولوية تتقدم على تغيير الواقع الأمني، ما قد يدفع إسرائيل، وفق تعبيره، إلى العودة تدريجياً إلى سياسة الاحتواء.
وفي هذا السياق، يشدد على أن دروس 7 تشرين الأول يجب أن تبقى حاضرة، معتبراً أن التهديدات الوجودية لا يمكن التعامل معها بمنطق الحياة الطبيعية.
ويقول إنه لا يمكن مطالبة سكان شمال إسرائيل بالعودة إلى منازلهم فيما يبقى حزب الله مسلحاً وقادراً على إعادة بناء قوته تحت مظلة تسوية إقليمية، ولا يمكن العودة إلى واقع يصبح فيه وجود تنظيم مسلح على الحدود أمراً ثابتاً تتعامل معه الدولة عبر قواعد اشتباك وخطوط حمراء وإجراءات احتواء.
ويرى الكاتب أن على إسرائيل أن تتصرف بحكمة، عبر الحد من الأضرار غير الضرورية بحق المدنيين، وتجنب المشاهد التي تمنح خصومها مادة دعائية، والعمل على إقناع الأميركيين بأن الساحة اللبنانية ليست عقبة أمام التسوية، بل شرطاً لنجاحها.
ويضيف أن أي مسار سياسي مع إيران يجب ألا يترافق مع توفير مظلة حماية لحلفائها في المنطقة، وأن فتح مضيق هرمز لا يمكن أن يقابله إغلاق الجبهة الشمالية، كما أن أي نظام إقليمي جديد لا يمكن أن يقوم، من وجهة نظره، على منح حزب الله حصانة.
ويخلص الكاتب إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز العلاقة بين ترامب ونتنياهو، لتتحول إلى اختبار حقيقي لثمن التسوية الإقليمية، مؤكداً أن ترامب يحاول الخروج من المأزق الإيراني من دون أن يظهر بمظهر المنسحب، بينما تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا يكون ثمن هذا الخروج، وفق وصفه، التخلي التدريجي عن الدروس التي استخلصتها من أحداث 7 تشرين الأول.

