مع استمرار التصعيد الإقليمي المتسارع، يقف لبنان مجددًا عند مفترق بالغ الحساسية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تمتد من إيران إلى الخليج، وتنعكس مباشرة على الداخل اللبناني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وبين رهانات الحرب واحتمالات التسويات، تتكثف الاتصالات الدولية والإقليمية، فيما يحاول لبنان الرسمي تثبيت وقف إطلاق النار وحماية ما تبقى من استقراره، وسط انقسامات داخلية حادة وضغوط متشابكة تفرض نفسها على المشهد العام.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي أن الساعات المقبلة تحمل طابعًا مفصليًا، ليس للبنان وحده بل للمنطقة بأسرها، معتبرًا أن الخيارات باتت محصورة بين احتمال عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أو اتجاه طهران نحو القبول بالمقترحات الأمريكية لتفادي الانفجار الكبير.
قال العريضي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، إن لبنان والمنطقة من إيران إلى الخليج مقبلان على 48 ساعة مفصلية، فإما تعود الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتنسحب على لبنان، وإما قبول طهران بالمقترحات الأمريكية.
لكن “الأنكى”، برأي العريضي، في الرد الإيراني أنه يدعو إلى وقف إطلاق النار، بما في ذلك لبنان، وكأنهم لم يستخلصوا العبر من مرحلة الوصاية السورية من حافظ إلى بشار الأسد، وكل ما فعلوه بلبنان طيلة 30 عامًا عبر دعمهم لحزب الله والتخريب في البلد.
واعتبر، في هذا الإطار، أن الحرب الأخيرة كانت، وفق توصيفه، “حرب إسناد لإيران انطلاقًا من لبنان”، مستشهدًا بتصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قال إن حزب الله يقاتل عن إيران.
ومن هذا المنطلق، رأى العريضي أن الدولة اللبنانية قطعت الطريق على إيران بإعلانها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وبرعاية أمريكية، وهي “ضنينة وحريصة على كل حبة تراب أكثر بكثير من إيران”.
وكشف أنه التقى رئيس الحكومة نواف سلام، حيث لمس لديه، بحسب قوله، “حرصًا كبيرًا وصلابة واضحة” في متابعة ملف الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن هذا المسار يحتاج إلى صبر ووقت من خلال المفاوضات، ونقل عن سلام تساؤله حول أسباب الانتقادات التي تطاول خيار التفاوض.
ونقل عن سلام تساؤله: “لماذا تفاوض إيران الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يتهمنا حزب الله بالعمالة والصهيونية؟”، مؤكدًا أن “عمقنا عربي وتاريخي، ولا أحد يزايد علينا”.
كما أبدى سلام، بحسب العريضي، قلقه من الحملات التي طاولت رئيس الجمهورية، عبر عبارات خرجت عن المألوف السياسي والأخلاقي الذي عُرف به لبنان، مشددًا على أهمية الإعلام الحر، لكن من دون المس بالمقامات الرئاسية والسيادة ووحدة البلاد، معتبرًا أن ذلك “خط أحمر”.
وتابع العريضي أن لبنان، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة، يعمل على تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين انسحاب إسرائيل، لكن ذلك يتم عبر مفاوضات مع العدو، داعيًا إلى الترقب وانتظار ما ستؤول إليه التطورات.
وكشف أنه يملك معلومات تفيد بأن قرار شن الحرب صباح الثلاثاء كان شبه محسوم، وفق ما سمعه من أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي، وذلك عقب الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى اجتماع القيادتين العسكريتين الأمريكية والإسرائيلية ووضع بنك أهداف يمتد من إيران إلى لبنان.
وأضاف أن اتصالات دول الخليج لعبت دورًا في تهدئة الأوضاع، متسائلًا عمّا إذا كان قرار الحرب قد عُلّق أو جرى تأجيله، أو ما إذا كانت إيران ستوافق وتنصاع للشروط الأمريكية، مؤكدًا أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، أعرب عن أسفه لاستمرار إسرائيل في “قضم” القرى والبلدات اللبنانية وتسويتها بالأرض، وقد تصل إلى الزهراني وأكثر إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، معتبرًا أن “اللعبة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات”.
وفي سياق متصل، وحول قانون العفو، قال العريضي إنه لا يجوز للبنان أن يعود عند كل استحقاق إلى الحسابات الطائفية أو إلى منطق “6 و6 مكرر”، مشيدًا بمواقف عدد من النواب السنّة المعتدلين، وهذا يعود إلى صيغة 1943 والطائف ولبنان أولًا، الذين يتمسكون بالدولة والمؤسسات والجيش اللبناني.
وأشار إلى موقف النائب إيهاب مطر، الذي أكد الوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها، معتبرًا أن أي مفاوضات مع العدو يجب أن تتم عبر الدولة اللبنانية حصرًا.
وأضاف أنه تابع موقف مطر الداعي إلى معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين ومنع أي إجحاف بحقهم، من خلال متابعة هذا الملف بصورة دقيقة ومستمرة، معتبرًا أن لبنان اليوم أمام واقع جديد يختلف عن السابق، ولا يمكن فيه القبول باستمرار المحاكمات العسكرية الميدانية أو القرارات غير المدروسة، ولم يغفل التحركات وما حصل في الآونة الأخيرة من تصعيد سياسي غير مسبوق حول هذا الموضوع.
ودعا إلى حسم الموضوع سريعًا، لأننا بغنى عن كل ما يجري اليوم في ظل المعلومات الاقتصادية والمالية المخيفة والمقلقة إلى درجة كبيرة، جراء ما يصيب الخليج نتيجة استهدافه من إيران، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي تحيط بنا.
وأكد العريضي أهمية الدور الذي يقوم به النائب الدكتور فريد البستاني في ملف أموال المودعين، ومتابعته لهذا الملف داخليًا وخارجيًا مع الجهات المعنية، ويلازمه ويصر عليه، معتبرًا أن استعادة أموال المودعين حق مكتسب لصغار المودعين وكبارهم.
كما أشاد بالجهود التي يبذلها مجلس الجنوب برئاسة المهندس هاشم حيدر، رغم الإمكانات المحدودة، في متابعة أوضاع النازحين عبر جولات ميدانية مستمرة، ودعم البلديات والمناطق التي تستضيف النازحين، ومن تبقى من أهل الجنوب، إضافة إلى متابعة أوضاع من تبقى في الجنوب، رغم الإمكانات الضئيلة.
ولفت إلى وجود أجواء مقلقة حيال تراجع الدعم المالي الخارجي لهذه القضية في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، محذرًا من أن لبنان يقف على أبواب أزمة جديدة إذا عادت الحرب، لا سيما في حال تعرض الخليج للاستهداف عبر “الحقد الإيراني”، باعتبار أن الخليج يشكل البوابة الاقتصادية الأساسية للبنان ومصدر دعمه في مختلف المحن.
وختم العريضي مستنكرًا الحملات التي تطاول دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، مشددًا على أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، باني دولة الإمارات، كان له دور كبير في دعم لبنان والوقوف إلى جانبه، وأن هذا النهج مستمر اليوم بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
وأشار إلى أن الإمارات، التي احتضنت اللبنانيين وحتى الجالية الإيرانية، وقدمت لهم أفضل معاملة، معتبرًا أن استهداف “الحقد الإيراني” للمدن والمنشآت الحيوية في الإمارات أو في أي دولة خليجية هو أمر “مستنكر ومدان”، لأن دول الخليج كانت دائمًا من أبرز الداعمين للبنان والمساهمين في إعادة إعماره بعد الحروب والأزمات.

