أثار ظهور اللبنانية المبعدة إلى إسرائيل مريم يونّس، إلى جانب جوناثان الخوري، عبر وسيلة إعلام لبنانية ومن داخل إسرائيل، جدلاً سياسياً وقانونياً وإعلامياً واسعاً، في مشهد اعتبره كثيرون تجاوزاً لقانون مقاطعة إسرائيل وكسرًا واضحًا للمحظور الذي لطالما شكّل أحد الثوابت القانونية والسيادية في لبنان.
فالجدل لم يعد متعلقاً فقط بمضمون المقابلة أو بخلفية الضيفين، بل بالسؤال الأخطر: هل أصبح التواصل الإعلامي المباشر مع أشخاص داخل إسرائيل أمراً عادياً في لبنان؟ وإذا كان الأمر كذلك، فليُقال ذلك بوضوح للبنانيين.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية والقضاء يعتبران أن ما حصل لا يشكل مخالفة، فليُعلنا ذلك صراحة، لأن الأمر عندها لن يتوقف عند مقابلة مع لبنانيين يحملون الجنسية الإسرائيلية، بل قد يصل قريباً إلى مرحلة استضافة مسؤولين أو ضباط إسرائيليين على شاشات لبنانية تحت عناوين “السبق الصحافي” و”حرية الإعلام” و”حق الوصول إلى المعلومة”.
أما إذا كان الأمر ممنوعاً ويشكّل خرقاً لقانون مقاطعة إسرائيل، فعندها يصبح السؤال: أين كانت الدولة؟ ولماذا تُترك هذه الخروق تمرّ تباعاً من دون محاسبة جدية؟
والأخطر من كل ذلك، أن هذه المقابلة لم تأتِ في إطار نقاش قانوني أو أكاديمي بارد، بل تحولت عملياً إلى منصة لتسويق وجهة النظر الإسرائيلية داخل المجتمع اللبناني، عبر شخصيات تحمل الجنسية الإسرائيلية وتعيش داخل إسرائيل وتتحدث من منطلق الدفاع عن هذا الكيان والترويج لروايته، وهو ما يطرح تساؤلات خطيرة حول الحدود الفاصلة بين العمل الإعلامي وبين فتح الهواء لاختراق سياسي وإعلامي مباشر للرأي العام اللبناني.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في ظهور مريم يونّس وجوناثان الخوري من داخل إسرائيل، بل في أن التواصل تم من لبنان، عبر منصة إعلامية لبنانية، ومن خلال محاور لبناني، في خرق واضح لكل الخطوط التي كان يُفترض أنها لا تزال قائمة بين لبنان والعدو الإسرائيلي.
وما يزيد خطورة المشهد، أن الأمر لم يعد مجرد اجتهاد إعلامي أو “خطأ مهني”، بل تحوّل إلى محاولة فعلية لكسر المحظور القانوني والسيادي بالتدرج، تحت ستار العمل الصحافي، فيما الدولة تتفرج، والأجهزة الأمنية تتعامل ببرودة مريبة مع ملفات مشابهة سُجلت في السنوات الماضية من دون أي مساءلة حقيقية.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، فإن أحد الأجهزة الأمنية تحرك بعد نشر المقابلة، وبدأ بمتابعة الملف تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بعد مراجعة القضاء المختص ودراسة مدى انطباق قانون مقاطعة إسرائيل على ما حصل.
لكن السؤال الذي يُطرح بقوة: لماذا تتحرك الأجهزة دائماً بعد وقوع الفضيحة؟ ولماذا تُترك هذه الخروق تتكرر وتتوسع حتى تصبح أمراً واقعاً؟ وأين كان القضاء والأجهزة الأمنية في السنوات الماضية من عشرات حالات التطبيع الإعلامي والثقافي والإلكتروني التي مرّت بلا أي مساءلة جدية؟
وفي هذا السياق، يوضح الخبير القانوني والدستوري عادل يمين، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “التواصل الذي جرى مع الشخصين المبعدين إلى إسرائيل يُعد مخالفاً لقانون مقاطعة إسرائيل، كما أن وجودهما هناك بحد ذاته يُعد مخالفاً لأحكام هذا القانون، إذ إن كل من يتعامل أو يقيم في إسرائيل يقع تحت طائلة المنع القانوني الذي يشمل الاتصال وزيارة أرض العدو”.
ويشير يمين إلى أن “ظهورهما على وسائل إعلام لبنانية من داخل إسرائيل يُعد أمراً غير جائز، لأن أي تواصل مباشر أو غير مباشر مع جهة موجودة هناك يُعتبر مخالفة صريحة”، متسائلاً: “كيف تم الظهور عبر وسائل الإعلام اللبنانية؟”
ويعتبر أن “هذا الفعل يُشكّل خرقاً لقانون مقاطعة إسرائيل، وبالتالي فإن أي مخالفة من هذا النوع قد تترتب عليها إجراءات أو عقوبات تطال الوسيلة الإعلامية أو الجهة المعنية، وفق ما ينص عليه القانون في حال ثبوت الانتهاك”.
ويختم مؤكداً أن “قانون المقاطعة يحدد بوضوح التداعيات والإجراءات القانونية في حال وقوع أي خرق، ما يضع هذا النوع من الظهور الإعلامي في دائرة النقاش القانوني حول مدى الالتزام بالضوابط المعمول بها في لبنان”.
وتشير أوساط قانونية إلى أن جوهر القضية لا يتعلق بحرية الإعلام، بل بخرق قانون نافذ لا يزال سارياً في لبنان، إذ إن قانون مقاطعة إسرائيل لا يميز بين تواصل سياسي أو إعلامي أو تجاري، بل يقوم أساساً على منع أي شكل من أشكال الاتصال أو التعامل المباشر وغير المباشر مع إسرائيل أو المقيمين فيها.
وترى هذه الأوساط أن الأخطر هو تحوّل بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لكسر الحاجز النفسي والقانوني مع إسرائيل تدريجياً، فيما تغيب المحاسبة الجدية، وتبدو الدولة وكأنها تكتفي بالمراقبة بعد وقوع الخرق، لا بمنعه أو ردعه.
ويبقى السؤال الأخطر: إذا كان لبنان قد وصل إلى مرحلة استضافة أشخاص يحملون الجنسية الإسرائيلية عبر وسائل إعلام لبنانية ومن داخل إسرائيل نفسها، فماذا بقي من قانون المقاطعة؟ وهل أصبح تطبيقه انتقائياً يخضع للحسابات السياسية والإعلامية؟

