كتبت ندى أندراوس في المدن:
يبقى ملف انتشار الجيش اللبناني في الجنوب العنوان الأساس في مرحلة الحرب وما بعدها، ليس فقط بسبب طابعه الأمني، بل لأنّه يرتبط مباشرة بشكل الجنوب المقبل، وبحدود الدور الذي ستلعبه الدولة اللبنانية في المناطق الحدودية، في مواجهة محاولة إسرائيل فرض واقع جديد انطلاقا من خط الاحتلال الذي تقيمه اليوم تحت عنوان الخط الأصفر.
في هذا السياق، يتعامل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع ملف الجنوب باعتباره المدخل الفعلي لإعادة تثبيت سلطة الدولة جنوباً، انطلاقاً من ثلاث نقاط أساسية: رفض بقاء الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، اعتبار الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المخوّلة الإمساك بالأرض جنوباً، وربط أي استقرار فعلي بانسحاب إسرائيل الكامل حتى الحدود الدولية.
لكن خلف هذا الموقف السياسي، تدور نقاشات عسكرية وأمنية تتعلق بكيفية الانتشار، ومراحله، وحدوده، وطبيعة المناطق التي يمكن للجيش الوصول إليها في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتمدده إلى الخط الأصفر، واستمرار السيطرة النارية الإسرائيلية على عدد كبير من القرى الأمامية.
ماذا الذي بقي من دور الميكانيزم؟
وفي هذا الإطار، اكتسب الاجتماع الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام مع رئيس لجنة الميكانيزم الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد أهمية خاصة، بعدما تناول بصورة مباشرة واقع الجنوب، وخطة الانتشار التدريجي للجيش، والعقبات التي تعترضها ميدانياً، في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض.
ووفق معلومات خاصة حصلت عليها “المدن”، فإنَّ النقاش الفعلي اليوم لا يتعلق بانتشار شامل ونهائي للجيش اللبناني على كامل الحدود، بل بخطة متدرجة ترتبط أولاً بالوقائع الميدانية التي فرضتها إسرائيل بعد الحرب، وثانياً بنتائج المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
انتشار بعيد عن الخط الأصفر
فالجيش اللبناني منتشر اليوم في مواقع لا تزال بعيدة نسبياً عن الخط الأصفر. في القطاع الأوسط يتمركز في كفردونين، وفي القطاع الغربي في شواكير، فيما لا يزال وجوده في القطاع الشرقي يرتكز على مرجعيون، وهي كلها مناطق تبعد في بعض النقاط نحو خمسة كيلومترات عن المنطقة التي تحاول إسرائيل التعامل معها كمنطقة عازلة أو منطقة تماس مباشر.
وتكشف المعطيات لـ”المدن” أن الجيش حاول خلال الفترة الاخيرة التقدم أكثر نحو بعض القرى الحدودية. ففي أعقاب اغتيال الصحافية آمال خليل، حاول الجيش الاقتراب من الطيري، كما حاول التقدم في اتجاه مجدل زون، إلا أن الاستهدافات الإسرائيلية المباشرة أدت إلى إصابة ضابط وجندي في الجيش، ما أعاد تثبيت واقع الميدان الحالي القائم على منع أي انتشار لبناني واسع في المناطق الحساسة قبل اتضاح صورة التفاهمات السياسية والأمنية.
23 قرية خارج الخط الأصفر
غير أن التطور الأخطر يتمثل في توسيع إسرائيل عملياً نطاق المناطق التي تريد إفراغها من سكانها، حتى خارج الخط الأصفر. وبحسب المعلومات، فإن الجيش الإسرائيلي طلب من الأهالي عدم العودة إلى 23 بلدة وقرية تقع بمعظمها على امتداد حدود “الخط الأصفر”، رغم أن عدداً كبيراً منها يقع خارج المنطقة التي تصنفها إسرائيل رسمياً كمنطقة عازلة.
في القطاع الغربي تشمل هذه البلدات:
مزرعة بيوت السياد، مجدل زون، زبقين.
أما في القطاع الأوسط فتشمل:
ياطر، صربين، الطيري، كونين، حداثا، بيت ياحون، شقرا، مجدل سلم، قبريخا، وفرون.
وفي منطقة شمال الليطاني:
زوطر الشرقية، يحمر الشقيف، وأرنون.
أما في القطاع الشرقي فتضم القائمة:
دير ميماس، مرجعيون، إبل السقي، الماري، عين إبل، عين عطا، وكفرشوبا.
وفق المعلومات، فإن المرحلة الأولى من خطة الانتشار التي يجري العمل عليها تقوم مبدئيا على تعزيز وجود الجيش تدريجياً في هذه القرى والبلدات الواقعة خارج الخط الأصفر، باعتبار أن إسرائيل تحاول عملياً فرض منطقة أمنية أوسع من تلك التي تعلنها رسمياً.
رسالتا عون
ومن هنا، فإن ما قصده الرئيس جوزاف عون عندما تحدث عن انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، لا يعني أن الانتشار الكامل أصبح وشيكاً أو أن الخطة النهائية قد وُضعت بالكامل، بل إن الدولة اللبنانية تريد تثبيت معادلة واضحة أمام الخارج مفادها أن الجيش اللبناني جاهز لتسلّم الأرض ومنع أي فراغ أمني متى إنسحبت إسرائيل. وفي الوقت نفسه، يوجّه عون رسالتين متوازيتين:
الأولى للخارج، ومفادها أن الدولة اللبنانية مستعدة للإمساك الكامل بالأرض إذا انسحبت إسرائيل من النقاط التي تحتلها.
أما الثانية فللداخل اللبناني، وتقوم على أن المرحلة المقبلة تتجه نحو تثبيت سلطة الدولة جنوباً، بدل بقاء الواقع السابق الذي حكم المنطقة خلال السنوات الماضية.
الانتشار
وتكشف المعلومات أن خطة الانتشار الموضوعة تتدرج على مراحل تبدأ بتعزيز انتشار الجيش جنوب الليطاني بالكامل.
• تثبيت الوجود العسكري في القرى الواقعة خارج الخط الأصفر.
• الوصول تدريجياً إلى المناطق المحاذية للخط الأزرق حيثما تسمح الظروف الميدانية.
• الدخول التدريجي إلى القرى التي لا تزال إسرائيل تتحكم بها نارياً أو تحتل أجزاءً منها.
• إمساك الجيش بالمواقع التي يتموضع فيها الحزب في الجنوب في خلال هذه الحرب وما قبلها.
أما المرحلة التالية، فتشمل الانتشار على طول الحدود الدولية عبر شبكة نقاط ثابتة، ودوريات متحركة، ومراكز مراقبة متقدمة، إضافة إلى الانتشار في محيط القرى الأمامية، وبعض التلال المشرفة، والممرات الواقعة بين الخط الأزرق والخط الذي تحاول إسرائيل فرضه كمنطقة عازلة.
الجنوب بانتظار المفاوضات
لكن هذه الخطة لا تزال غير نهائية، لأن تنفيذها الكامل يبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: نتائج المفاوضات المباشرة متى انطلقت، موقف إسرائيل من الانسحاب، ودور لجنة الميكانيزم بعد هذه الحرب ومستقبل القوات الدولية أو أي قوات بديلة لها في الجنوب.
فالعقدة الأساسية تكمن في أن إسرائيل لا تزال تحتل نقاطاً تعتبرها استراتيجية، وتفرض الخط الأصفر، وتمنع عملياً العودة الطبيعية إلى عشرات القرى الحدودية، في محاولة واضحة لتكريس حزام أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية.
ولهذا، يبدو الجنوب اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية: انتشار تدريجي للجيش تحت النار، مقابل محاولة إسرائيلية لتثبيت وقائع ميدانية جديدة. وبين المشروعين، يحاول رئيس الجمهورية تكريس معادلة واحدة: إذا انسحبت إسرائيل، فالجيش اللبناني جاهز للإمساك بالأرض ومنع أي فراغ، وتثبيت للمرة الاولى ربما في تاريخ الدولة اللبنانية واقعاً أمنياً وعسكرياً شرعيا بالتوازي مع الحضور المؤسساتي الفعال على أرض هي جزء لا يتجزأ من الجغرافيا اللبنانية الممتدة على مساحة 10452 كلم2.

