كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
تكشف الأرقام الصادرة عن مؤشرات أسعار الاستهلاك لشهر آذار 2026 عن تحول جوهري في طبيعة الضغوط التضخمية التي يواجهها لبنان. فخلافاً للموجات السابقة التي كانت تتسم بارتفاع عام وشامل، يتركز التضخم اليوم في “النواة الصلبة” للمعيشة، ما ينقل الأزمة من إطار الغلاء العام إلى إطار “الضغط القسري” الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.
تشريح الأرقام: تضخم البنية التحتية للمعيشة
سجل مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفاعاً شهرياً بنسبة 4.91%، ليصل الارتفاع السنوي إلى 17.26%. إلا أن الدلالة الأعمق تكمن في توزيع هذه الزيادات؛ فقد تصدر قطاع السكن والطاقة القائمة بزيادة قدرها 23.20%، يليه قطاع النقل بنسبة 21.58%.
هذه الأرقام تعني اقتصادياً انتقال التضخم إلى “البنود غير المرنة”، أي النفقات التي لا يمكن للأسر أو المؤسسات الاستغناء عنها أو تقليصها بسهولة. هذا النمط يؤدي حتماً إلى:
- تآكل الدخل الحقيقي: إعادة توجيه الجزء الأكبر من القدرة الشرائية نحو “الفواتير الحتمية”.
- إضعاف القطاعات الإنتاجية: تراجع الطلب على السلع والخدمات غير الأساسية، ما يدخل الاقتصاد في حلقة من الركود التضخمي.
التفاوت الجغرافي: النبطية تدفع الثمن الأكبر
برز في تقرير آذار تفاوت مناطقي حاد يطرح علامات استفهام حول العدالة في توزيع الضغوط المعيشية. فقد سجلت محافظة النبطية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 7.78%، وهو ما يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف الارتفاع المسجل في بيروت (2.88%).
ويعزو محللون في JNews Lebanon هذا الفارق إلى تعقيدات لوجستية وأمنية ترفع كلفة التوزيع والتأمين في المناطق الجنوبية، ما يؤدي إلى فرز مجتمعي وجغرافي يضعف قدرة المناطق الطرفية على الصمود الاقتصادي.
معادلة “الليرة الصامدة”: استقرار تقني لا هيكلي
على المقلب الآخر، يبرز تساؤل مشروع حول ثبات سعر صرف الليرة رغم هذا الضغط التضخمي. وتفيد معطيات JNews Lebanon المالية بأن استقرار العملة الوطنية لا يعود لتعافي اقتصادي، بل لسياسة “التجفيف النقدي” التي ينتهجها مصرف لبنان، مستنداً إلى ثلاث ركائز:
- حصر الكتلة النقدية: بقاء الكتلة بالليرة عند سقف 66.2 تريليون ليرة (أقل من 740 مليون دولار).
- الدولرة المفرطة: تجاوز نسبة الدولرة في الأسواق عتبة الـ 95%، ما قلص الطلب على الليرة كأداة مضاربة.
- غياب التحرير الرسمي: استمرار الضوابط التقنية التي تمنع التحرير العشوائي لسعر الصرف في ظل غياب خطة تعافٍ شاملة.
-
استشراف المرحلة: موجة ثانية قيد التشكّل
- تؤكد مصادرنا الاقتصادية أن ما نشهده اليوم قد يكون مقدمة لـ “موجة تضخمية ثانية”. فارتفاع كلف النقل والطاقة (عناصر الإنتاج الأساسية) سينعكس لاحقاً على أسعار السلع النهائية والخدمات، ما يضع المؤسسات أمام خيارين: إما رفع الأسعار وفقدان المنافسة، أو امتصاص الكلفة وتآكل رأس المال.
- في المحصلة، تظهر أرقام آذار أن لبنان لا يواجه غلاءً عابراً، بل مساراً يرفع “الإنفاق القسري” ويزيد من هشاشة الاستقرار الاجتماعي، في ظل استقرار “تقني” لليرة قد لا يصمد طويلاً أمام ضغط الحاجات المعيشية المتزايدة.

