لم يعد ما يجري في ملف “BetArabia” يُختصر بوصفه تأخيراً قضائياً عادياً، بل بات أقرب إلى نموذج صارخ لملف يُترك في حالة تعليق طويلة، رغم أنه من أخطر ملفات الهدر المالي المرتبطة بكازينو لبنان. فالقضية، منذ انتقالها إلى عهدة رئيس الهيئة الاتهامية في جبل لبنان القاضي فادي العريضي، دخلت في مرحلة جمود مريب يصعب تبريره بأي معيار قضائي طبيعي.
فالوقائع الأساسية ليست غامضة ولا مستجدة. الاستئناف مقدّم، القرار الظني مطعون فيه، وشبهات هدر المال العام وتبييض الأموال موثّقة في مسار التحقيق. ومع ذلك، لا مسار فعلي، ولا قرارات، ولا حتى إيقاع عمل يعكس حجم القضية. وهنا، لم يعد السؤال: لماذا التأخير؟ بل أصبح: من المستفيد من إبقاء هذا الملف معلّقاً؟
المعطيات داخل الملف لا تحتاج إلى اجتهاد كبير. فإدارة كازينو لبنان السابقة، وفق ما يُنسب إليها، منحت صلاحيات استثنائية خارج أي إطار إداري سليم. وتولّت شركة OSS، بقيادة جاد غاريوس وداني عبود، إدارة المنظومة التشغيلية، وتحولت عملياً إلى مركز توزيع مالي خارج الرقابة الفعلية. أما شبكة الوكلاء، فقد تقاضت نسباً وصلت إلى 40% من خسائر اللاعبين، في آلية تستنزف مباشرة حصة الدولة.
هذه ليست مخالفات تقنية، بل شبهة منظومة متكاملة لهدر المال العام وتحويل الأرباح من الخزينة إلى شبكات وسطاء. ومع ذلك، لا قرار.
الأخطر أن هذه المنظومة لم تتوقف. شركة تُذكر في ملف بهذا الحجم لا تزال تعمل. نشاط مستمر، أرباح مستمرة، وملف قضائي مفتوح من دون أي إجراء ردعي فعلي. وهذا بحد ذاته كافٍ لطرح سؤال كبير حول جدوى المسار القضائي إذا لم يُترجم إلى إجراءات على الأرض.
المشهد لا يقف عند هذا الحد. فبالتوازي، هناك موقوفون غيابياً منذ أكثر من ثمانية أشهر، يعيشون تحت سيف الملاحقة من دون حسم قضائي، فيما يرفض النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر استرداد مذكرات التوقيف، رغم إدراكه أن الملف نفسه لا يتحرك. هنا، لا يعود الحديث عن توازن بين الملاحقة وحق الدفاع، بل عن خلل واضح في إدارة الإجراءات.
وفي موازاة ذلك، تتقاطع هذه المعطيات مع ملفات قضائية أخرى تسير بوتيرة مختلفة، من بينها ملفات مرتبطة بالحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، حيث سُجّلت تحركات سريعة على مستوى الشكاوى والمواعيد القضائية، بالرغم من تعقيد ودقة هذه الملفات. هذا التفاوت في السرعة بين الملفات يطرح بدوره تساؤلات حول معايير التعاطي القضائي.
في الأوساط القضائية والسياسية، لم يعد هذا الكلام هامشياً. ثمة قناعة تتشكل بأن الملف لا يُعالج بقدر ما يُدار. يُستخدم كورقة ضغط، لا كقضية يُراد حسمها. وعندما يُدار الملف بهذه الطريقة، يصبح التأخير جزءاً من الآلية، لا نتيجة لها.
لماذا لم يصدر القرار الاتهامي حتى الآن؟
لماذا لم تُجمّد الأعمال؟
ولماذا لم تُفصل المسؤوليات بشكل واضح؟
هذه ليست أسئلة سياسية، بل جوهر العمل القضائي.
اليوم، يقف القاضي فادي العريضي أمام اختبار حقيقي:
إما كسر هذا المسار وإصدار قرار يضع حداً لهذا الملف،
أو تثبيت أخطر انطباع يتكرّس في الرأي العام:
أن ملف “BetArabia” لا يُدار كقضية قضائية… بل كملف مضبوط الإيقاع.
وعندها، لا تعود المشكلة في الفساد فقط…
بل في من يملك قرار كشفه.

