في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، يبرز سؤال جوهري: من يحدد متى تكون المفاوضات خيانة… ومتى تصبح “حكمة سياسية”؟
الرئيس جوزيف عون لم يأتِ من فراغ عندما أعلن استعداده للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية. هذا الطرح لا يمكن فصله عن واقع ميداني ضاغط، حيث وجد لبنان نفسه في قلب مواجهة مفتوحة، نتيجة قرار لم يصدر عن مؤسسات الدولة بل فُرض عليها. من هنا، بدا خيار التفاوض، بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، خطوة مسؤولة وشجاعة لوقف حرب أنهكت البلاد وشرّدت أكثر من مليون لبناني، ومحاولة جدية لإعادة القرار إلى مكانه الطبيعي: الدولة.
لكن، وما إن طُرح هذا الخيار، حتى انطلقت حملة سياسية وإعلامية منظمة تُصوّر المفاوضات كخيانة وطنية، وتضع رئيس الجمهورية في قفص الاتهام. حملة يتقدمها حزب الله، الذي لم يكتفِ بمصادرة قرار الحرب والسلم، بل يسعى اليوم إلى مصادرة حتى حق الدولة في البحث عن مخرج.
في المقابل، وفي الوقت الذي تُرفع فيه سقوف التخوين داخليًا، يغيب هذا الخطاب تمامًا عندما يتعلق الأمر بإيران. حين تجلس طهران إلى طاولة التفاوض مع “الشيطان الأكبر” الولايات المتحدة، في ملفات مصيرية تشمل البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، لا يُسمع صوت الاعتراض نفسه. لا تُطرح أسئلة التخوين، ولا تُرفع شعارات “التنازل” أو “الاستسلام”، بل يُقدَّم ذلك في إطار “إدارة الصراع” و”حماية المصالح”.
هنا تحديدًا، تتكشّف الحقيقة.
المسألة لم تعد مرتبطة بالفعل نفسه، بل بهوية من يقوم به.
كيف يُمنح التفاوض شرعية مطلقة عندما يكون قرارًا إيرانيًا، ويُنزَع عنه هذا الغطاء عندما يصبح قرارًا لبنانيًا سياديًا؟
كيف يصمت حزب الله أمام تفاوض مع “الشيطان الأكبر”، بينما يشنّ حملة تخوين شرسة على رئيس جمهورية يحاول إنهاء حرب على أرضه؟
وأي منطق يمكن أن يبرر هذا الانفصام الصارخ؟
الواقع أن ما يقوم به جوزيف عون ليس خروجًا عن الثوابت، بل عودة إلى أصلها: أن تكون الدولة هي صاحبة القرار. أما ما يقوم به حزب الله، فهو العكس تمامًا: تثبيت واقع تكون فيه الدولة مجرد متلقٍ، لا مقرّر.
المفارقة الفاضحة أن من يبرّر التفاوض حين يخدم محورًا إقليميًا، يحرّمه حين يخدم مصلحة لبنان. ومن يقبل بالحوار مع من يسميه “الشيطان الأكبر”، يرفض حتى مجرد البحث في إنهاء مواجهة مع عدو مباشر يدفع اللبنانيون ثمنها يوميًا.

