الرفضُ الذي أبداهُ أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، لا يُبدل من المسار الذي اختارته الدولة اللبنانية بهدف إنهاء الحرب الحالية. في الوقت الراهن، سعى “حزب الله”، بشكل أو بآخر، إلى فتح معركة “مؤجلة” مع الدولة
اللبنانية عبر إشارة قاسم إلى أن السلطة ستحتاجُ لاحقاً إلى التحدث مع جمهور “حزب الله” الذي يؤيد “المقاومة” والتي اعتبر قاسم أن “الحكومة طعنتها بظهرها”.
ما تمّ استشرافه من خطاب قاسم يفيدُ بأن الحرب طويلة ولن تنتهي بسهولة، في حين أنَّ إسرائيل تواصل هجماتها وتوغلاتها البرية. عملياً، لم يقدّم قاسم قراءة ميدانية دقيقة لمجريات الأحداث جنوباً، لكنه ألمح إلى إمكانية حصول عمليات “أسر”، وهي الورقة التي يسعى “حزب الله” لاغتنامها في ظل المعركة الحالية، وإن تمّت، ستطرأ تبدلات ميدانية ضخمة قد تساهم في خلط أوراق الجبهة.
الأمر الأهم هو أنّ قاسم لم يتطرق بتاتاً إلى التظاهرات التي نفذها مناصرو “حزب الله” يوم السبت الماضي، فيما لم يعلّق على الحملة التي طالت مقام رئاسة مجلس الوزراء. من جهة، قد يكون خطاب قاسم قد سُجّل قبيل تلك التظاهرات وقبيل انعقاد محادثات إسلام أباد التي لم يتطرّق إليها، بينما يمكن أن يكونَ عدم تعليق قاسم على تلك التحركات بمثابة اعتبارها وكأنها “غير موجودة”، مع تأكيده أن الكلمة للميدان فيما الألسنُ ستنشغل بـ”ذكرِ الله”، كما قال.
ما يقوله قاسم يحمل رسائل ضمنية إلى داخل “حزب الله” نفسه، وما يظهر أن هناك تباعداً بين الأمين العام ومسؤولين آخرين ضمن “الحزب” يتبنون خطاباً تصعيدياً داخلياً يهدّد السلم الأهلي. وضمنياً، فإن هذا الأمر يُفسر تماماً عدم كلام قاسم عن اللجوء إلى الشارع، بينما لم يُحدد طرق التعامل مع السلطة لاحقاً عبر الإشارة لها إلى “ضرورة الانتباه”. وعليه، يُبقي قاسم العلاقة مع الدولة “لا معلقة ولا مطلقة”، بينما حاول “كسرَ الحدية” تجاه السلطة بالإشارة إلى “رفض الفتنة”.
بشكلٍ أو بآخر، يكون قاسم قد وضع علاقة الدولة مع “حزب الله” على المِحك، ما قد يسمح لآخرين بالاستثمار نحو تحريك أي شارع يندرجُ تحت إطار خطابه، وهذا الأمر سيزيدُ من حدة الاحتقان الداخلي طالما أنّ وصف خطوات الدولة بـ”الخطيئة” مستمر.
إزاء كل ما قيل، لا يمكن الجزمُ بتاتاً بما ستحملهُ الأيام المقبلة من تطورات، لكن المعلومات الأمنية المتقاطعة تفيد بوجود مخاوف من تصعيدٍ أكبر لاحقاً، وتحديداً إن تطورت ميدانيات الجنوب، وفشلت مفاوضات لبنان وإسرائيل في بداياتها، باعتبار أن تل أبيب لا تعوّل على أي تبدلات محورية وجوهرية، وفق ما تكشف تقارير إعلامية عديدة.

