كتب طارق أبو زينب نداء الوطن
شهدت المنطقة تحوّلًا حاسمًا في مقاربة الدول الخليجية والعربية تجاه إيران وأذرعها، بعدما انكشف المشروع الإيراني كعامل مباشر في زعزعة استقرار الدول وضرب سيادتها. فالتصعيد الإسرائيلي – الأميركي ضد طهران كشف سلوكًا عدوانيًا متجذرًا، تجلّى في اعتداءات استهدفت منشآت مدنية في دول الخليج العربي والأردن، في خرق صارخ للقوانين الدولية، رغم أن هذه الدول ليست طرفًا في النزاع. هذه الاعتداءات لم تكن لحظية أو عابرة، بل امتدادًا لاستراتيجية إيرانية ممنهجة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
ما جرى لم يكن حادثًا عابرًا، بل انتقال إيران إلى مرحلة أكثر خطورة، تقوم على استهداف الدول بشكل مباشر، ومحاولة فرض وقائع جديدة بالقوّة عبر أدواتها الإقليمية. فالاعتداء على دول الخليج ليس تفصيلًا، بل هو استهداف لركيزة الاستقرار العربي، وضرب للتوازنات التي حافظت عليها هذه الدول لعقود، وهي التي شكّلت صمّام أمان اقتصاديًا وسياسيًا للمنطقة. هذه الدول، التي أدّت دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الإقليمي وحفظ التوازن السياسي، لم تعد تتحمّل أيّ تهديدات تتجاوز حدودها، لأن أيّ مساس بها ينعكس مباشرة على أمن المنطقة بأسرها.
حتى الدول الخليجية المعروفة بسياساتها الدبلوماسية الهادئة بدّلت نبرتها، من سياسة الاحتواء إلى موقف أكثر صرامة، بعد اعتداءات مباشرة على منشآت نفطية وتجارية وسكنية، مؤكدة أن التهديد صار واقعًا ملموسًا، ويستوجب مواجهة حازمة واستراتيجية أمنية واضحة. هذه التحوّلات في الخطاب الخليجي تعكس إدراكًا كاملًا لحجم الخطر الإيراني الذي تجاوز الحدود التقليدية للصراع، ووصل إلى محاولة اختراق مفاصل الدولة والمؤسسات الحيوية.
تفكيك خلايا معقدة في الإمارات والكويت
في تطوّر أمني بالغ الدلالة، أعلنت الإمارات والكويت عن تفكيك خلايا مرتبطة بـ “حزب اللّه” واعتقال عناصر متورّطة في مخطط يستهدف زعزعة الاستقرار وتقويض سيادة الدولتين. في الإمارات، تمّ ضبط خمسة عناصر يعملون تحت غطاء تجاريّ وهميّ، ضمن شبكة مموّلة ومدارة من “حزب اللّه” وإيران، تهدف إلى اختراق الاقتصاد الوطني وتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، واستخدام مؤسسات مدنية كغطاء لأنشطة مشبوهة.
في الكويت، أحبط جهاز أمن الدولة مخططًا كان يستهدف منشآت حيوية، وتمّ توقيف عشرة مواطنين مرتبطين بـ “الحزب”، إضافة إلى خلية أخرى ضمّت أربعة عشر مواطنًا وشخصين لبنانيين، كانت تعمل على تجنيد عناصر جديدة ودعم أنشطة “الحزب”، ما يعكس قدرة هذه الشبكات على التوسّع بشكل منظم ومخطط مسبقًا. وفي البحرين، أعلنت السلطات عن توقيف خمسة أشخاص متورّطين في تمرير معلومات دقيقة للحرس الثوري الإيراني، في تأكيد جديد على استمرار التهديد الإقليمي واستغلال إيران أذرعها في دول متعدّدة لتعزيز نفوذها الأمني والسياسي.
وأكّدت مصادر مطلعة لصحيفة “نداء الوطن” أن هذه الخلايا ليست حوادث منفصلة، بل هي جزء من نمط متكرّر تعمل من خلاله منظومة مرتبطة بإيران، خصوصًا “حزب اللّه”، الذي توسّع نشاطه ليشمل تهديدًا مباشرًا لأمن الخليج. كما بيّنت التحقيقات وجود عناصر لبنانية ضمن هذه الشبكات، مرتبطة بعلاقات قرابة مع قياديين في “الحزب” داخل لبنان، ما يعزز فرضية وجود هيكلية مترابطة تعمل عبر الحدود بشكل ممنهج وتستفيد من الروابط العائلية والتنظيمية لتأمين استمرارية نشاطها.
كفاءة الأجهزة الأمنية والردّ الاستباقي
أظهرت الأجهزة الأمنية الإماراتية والكويتية قدرة عالية على التعامل مع المخططات، ما منع تنفيذ الاعتداءات وحافظ على المنشآت الحيوية، وضمن حماية المجتمع المتعدّد الجنسيات الذي يعيش ويعمل في هذه الدول. ويشكّل تزامن هذه العمليات مع تصعيد إيراني مباشر مؤشرًا واضحًا على التكامل بين العمليات العسكرية التقليدية والحرب غير المعلنة عبر الخلايا النائمة، ما يفرض تعاونًا استخباراتيًا عربيًا ودوليًا قويًا وتنسيقًا استراتيجيًا لمواجهة هذه الشبكات قبل أن تتحرك.
التحدّي الأكبر، بحسب مصادر أمنية، هو سرعة الاستجابة أمام شبكة مترابطة تعمل عبر عدّة دول، وهو ما يضع المنطقة أمام تحدٍ مركب، يستدعي وضع استراتيجيات استباقية لحماية المنشآت الحيوية والأمن الداخلي لكلّ دولة. أيّ تقاعس أو تأخر في التنسيق سيؤدّي إلى تفاقم التهديدات على صعيد الأمن الإقليمي، ويمنح إيران و “حزب اللّه” هامش تحرك أوسع.
التداعيات على لبنان والمنطقة
تضع هذه التطوّرات لبنان أمام اختبار دقيق، إذ يمتدّ تأثير تفكيك الخلايا إلى موقعه الإقليمي والتزاماته الدولية، ويعكس تورّط “حزب اللّه” في نشاطات خارجية تهدّد أمن دول الجوار. وفي المقابل، دانت وزارة الخارجية اللبنانية المخططات، مؤكدة رفض استهداف أمن الدول العربية، في خطوة رسميّة لتأكيد التزام لبنان بالقوانين الدولية.
إقليميًا، أكّد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود أن “حزب اللّه” يعمل كذراع إيرانية فاعلة في المنطقة، متهمًا طهران وحلفاءها بأعمال تخريبية تهدّد استقرار الدول العربية وتعطّل التنمية، ما يضع لبنان أمام ضغط عربي ودولي للحدّ من نفوذ “الحزب” داخل الدولة، ويزيد من أهمية اتخاذ قرارات حاسمة للسيطرة على السلاح وضمان استقرار لبنان.
مفترق حاسم
مع تضييق هامش المناورة السياسية، يدخل ملف “حزب اللّه” مرحلة أكثر تشدّدًا على المستويين الإقليمي والدولي، ويجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق: إمّا حصر السلاح بيد الدولة واستعادة الاستقرار، أو البقاء في دائرة الانكشاف والتصعيد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل لبنان والمنطقة بأسرها. الخطوة القادمة تتطلّب موازنة دقيقة بين السياسة الداخلية والضغوط الخارجية، مع ضرورة اتخاذ إجراءات حازمة لضمان أمن لبنان ودوره الإقليمي، والحفاظ على استقرار المنطقة بأسرها في مواجهة مشروع إيران التوسّعي.

