كتب داود رمال في نداء الوطن
تشكّل القرارات التي اتخذتها الحكومة أمس بإدانة إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ورفع الغطاء السياسي والرسمي عن الجناح العسكري والأمني لـ “حزب الله”، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الجيش والانصراف إلى العمل السياسي، تحوّلًا جذريًا وغير مسبوق في المشهد اللبناني، من زاوية الموقف من حادث أمني بعينه، ومن حيث إعادة تعريف موقع السلاح خارج الشرعية، وترسيم حدود الدولة بوصفها المرجعية الحصرية للقوة المنظمة. فالقرار، الذي صدر بإجماع الوزراء باستثناء اعتراض وزير “حزب الله” ركان ناصر الدين، فيما وافق وزراء حركة “أمل” عليه، ينقل الملف من خانة الجدل السياسي إلى خانة الإجراء التنفيذي الملزم.
عمليًا، تعني قرارات الحكومة أن كل المنشآت والمواقع والأنفاق والمخازن والتجمعات ذات الطابع العسكري أو الأمني التابعة لـ “الحزب” باتت خارج القانون، وستتعاطى معها المؤسسات الشرعية على هذا الأساس. لم يعد هناك تمييز بين “موقع مقاومة” و “موقع غير شرعي”، ولا بين سلاح موجّه إلى الخارج وسلاح يخلّ بالتوازن الداخلي. وضعت الدولة معيارًا واحدًا وهو أن أي بنية عسكرية خارج إمرة الجيش هي مخالفة للقانون. وهذا التطور يطوي، للمرة الأولى منذ اتفاقية القاهرة عام 1969، ومنذ الحكومات المتعاقبة بعد الطائف، صفحة “الخصوصية” التي أُعطيت للمقاومة تحت عناوين متعددة، سواء في البيانات الوزارية أو في التسويات السياسية.
يبقى السؤال الأكثر حساسية في كيفية تلقي “حزب الله” لهذا التحول. هل سيقرأه بوصفه امتدادًا لقرارات حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 5 أيار 2008، التي أعقبها انفجار أمني في 7 أيار، أم سيتعامل معه كإشارة إلى تبدّل عميق في البيئة السياسية الداخلية والخارجية؟ الفارق الجوهري اليوم، أن القرار لم يصدر بأكثرية سياسية منقسمة، بل بإجماع حكومي شبه كامل، وأن اعتراض وزير “الحزب” بقي معزولاً داخل مجلس الوزراء. كما أن موافقة وزراء حركة “أمل” تعكس إدراكًا لدى حلفاء “الحزب” بأن لحظة إعادة تنظيم العلاقة بين السلاح والدولة قد حانت، أو على الأقل أن كلفة المواجهة المفتوحة مع الشرعية باتت أعلى بكثير من كلفة الانخراط في مسار سياسي جديد.
في المقابل، يبرز البعد الخارجي للقرار. فرفع الغطاء الرسمي لا يقتصر على الداخل، بل يواكبه مناخ عربي ودولي داعم لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، ما يمنح العهد والحكومة قوة دفع إضافية. سيجد المجتمعان العربي والدولي، اللذان لطالما طالبا بحصر السلاح بيد الدولة، في هذه الخطوة مؤشرًا جديًا إلى أن بيروت قررت استعادة زمام المبادرة. لكن ذلك يضع إسرائيل أيضًا أمام اختبار وهو هل تكتفي بما قامت به وتوقف النار، تاركةً للشرعية اللبنانية تنفيذ قراراتها، أم تعتبر التطور فرصة لمزيد من الاستباحة والضغط العسكري بذريعة تسريع نزع السلاح؟ سيكون سلوك تل أبيب في المرحلة المقبلة عاملًا حاسمًا في ترجيح أحد المسارين.
داخليًا، يبقى التحدي التنفيذي الأكثر تعقيدًا. هل سيلتزم “حزب الله” فعليًا بقرار تسليم السلاح والانصراف إلى العمل السياسي، أم سيعمد إلى المماطلة وربط التنفيذ بحوارات أو شروط؟ وكيف ستتعاطى الأجهزة الأمنية، بحزم مباشر انطلاقًا من نص القرار، أم بتدرج مدروس يراعي حساسية السلم الأهلي؟ غير أن رئيس الحكومة رفض أي تهديد بالسلم الأهلي كوسيلة ضغط، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لن تقبل بعد اليوم بمعادلة الأمن مقابل التعطيل. غير أن ترجمة هذا الحسم إلى خطوات ميدانية تتطلب توازنًا دقيقًا بين فرض القانون ومنع الانزلاق إلى صدام داخلي.
إذًا، تقف البلاد أمام لحظة فاصلة؛ إما أن يشكل القرار بداية مسار فعلي لاستعادة احتكار الدولة للسلاح، بما يعيد تثبيت قواعد الطائف ويحصّن الاستقرار، وإما أن يتحوّل إلى محطة توتر جديدة إذا ما قرأه “الحزب” كاستهداف وجودي. بين هذين الاحتمالين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة لجهة دولة تمضي في تثبيت سيادتها، أو أزمة مفتوحة تختبر قدرة اللبنانيين على تجنب تكرار سيناريوات الماضي.

