كتب جو رحال في نداء الوطن:
لم يعد النقاش حول مستقبل النظام الإيراني محصورًا في دوائر التحليل الأكاديمي أو التقديرات الاستخبارية البعيدة، بل بات حاضرًا بقوة في حسابات الإقليم والعالم. الضغوط الاقتصادية الخانقة، التوترات الاجتماعية المتراكمة، والعقوبات الدولية المستمرة، كلها عوامل جعلت سيناريو التراجع أو التحول الجذري في طهران احتمالًا واقعيًا. وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان كأحد أكثر البلدان عرضة للتأثر، بحكم موقعه الجغرافي، وهشاشته الداخلية، وارتباط جزء من معادلته الأمنية والسياسية مباشرة بالدور الإيراني في المنطقة.
بالنسبة إلى لبنان، لا يُقاس سقوط النظام الإيراني إن حصل بكونه حدثًا خارجيًا فحسب، بل بكونه لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازناته الداخلية. فالعلاقة العضوية بين طهران و “حزب الله” جعلت أي اهتزاز في المركز الإيراني ينعكس فورًا على الساحة اللبنانية، سواء من حيث التمويل، أو الغطاء السياسي، أو وظيفة السلاح في المعادلة الإقليمية. من هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل يشكّل هذا التحول فرصة حقيقية لقيام الدولة، أم مدخلًا لمرحلة أكثر اضطرابًا؟
في السيناريو الإيجابي، أي انتقال منظم أو تراجع مدروس للدور الإيراني الخارجي لصالح معالجة الأزمات الداخلية، قد يجد لبنان نفسه أمام نافذة نادرة. ضعف الدعم المالي والعسكري الخارجي سيحدّ من قدرة أي طرف على فرض معادلات موازية للدولة، ويفتح المجال أمام إعادة طرح مسألة حصرية السلاح بيد الشرعية ضمن مقاربة سياسية هادئة، لا تقوم على منطق الغلبة بل على منطق التسوية الوطنية. في هذا السياق، تصبح الدولة اللبنانية – برئاستها وحكومتها ومؤسساتها الأمنية – أمام اختبار جدّي: إما التقاط اللحظة وبناء مسار سيادي متدرّج، أو إضاعتها كما أُضيعت فرص سابقة.
هذه الفرصة، إن أُحسن استثمارها، قد تنعكس أيضًا على موقع لبنان العربي والدولي. فجزء كبير من العزلة السياسية والمالية التي عانى منها البلد في السنوات الأخيرة ارتبط بصورته كدولة عاجزة عن ضبط قرارها السيادي. أي تغيير في هذه الصورة، مقرونًا بإصلاحات حقيقية في الإدارة والاقتصاد والحوكمة، قد يفتح الباب أمام عودة الدعم العربي، ولا سيما الخليجي، واستعادة ثقة المجتمع الدولي. لكن هذا المسار يبقى مشروطًا بالفعل الداخلي، لا بمجرد تبدّل المعادلات الإقليمية.
في المقابل، يحمل سيناريو الانهيار الفجائي أو الفوضوي للنظام الإيراني مخاطر جسيمة على لبنان. فغياب المركز الضابط قد يدفع الأذرع الإقليمية إلى التصرف باستقلالية أكبر، دفاعًا عن النفوذ والمصالح، وربما عبر تشديد القبضة الأمنية أو افتعال مواجهات خارجية. في الحالة اللبنانية، قد يتحول ذلك إلى تشنج داخلي، أو إلى مغامرة عسكرية مع إسرائيل، أو إلى محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة، في لحظة يعاني فيها المجتمع اللبناني من إنهاك اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
أما السيناريو الأخطر، فيكمن في تدويل سقوط إيران أو انزلاقه إلى مواجهة إقليمية واسعة. عندها، يصبح لبنان ساحة محتملة للرسائل والضغوط، سواء عبر التصعيد العسكري أو عبر مزيد من الخنق الاقتصادي. هذا الاحتمال يهدد بتفجير التوازنات الداخلية، ويعيد شبح الفوضى، في ظل غياب شبكة أمان اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات. فالشارع اللبناني المنهك لم يعد يحتمل مغامرات كبرى، والاستقرار بات شرط بقاء لا ترفًا سياسيًا.
في المحصلة، لا يشكّل سقوط النظام الإيراني إن حصل خلاصًا تلقائيًا للبنان، كما لا يعني بالضرورة كارثة حتمية. إنه لحظة اختبار تاريخية، تتوقف نتائجها على قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالقرار، ومنع الفراغ، وإدارة التحول بحكمة. بين فرصة استعادة السيادة ومخاطر الانزلاق إلى الفوضى، يقف لبنان اليوم أمام خيار واضح: إما أن يتحول إلى دولة تواكب التحولات وتحمي نفسها، أو أن يبقى ساحة مفتوحة تدفع، مرة جديدة، ثمن صراعات الآخرين.

