وجّه السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبرًا أن استمراره في السلطة يجعل فرص تحسين العلاقات بين إسرائيل وواشنطن شبه معدومة. لكن التحذير لم يقتصر على شخص نتنياهو، إذ رأى أورين أن وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة لن يكون كافيًا لإصلاح العلاقات مع الحزب الديمقراطي الأميركي، ما لم يرافق التغيير السياسي تحوّل فعلي في السياسات الإسرائيلية، ولا سيما تجاه غزة ولبنان وسوريا والقضية الفلسطينية.
وبحسب تقرير نشرته إذاعة “103FM” الإسرائيلية، اليوم الجمعة، تناول أورين، خلال مقابلة مع رون كوفمان والبروفيسور أرييه إلداد، الأزمة التي تشهدها العلاقات الإسرائيلية الأميركية، محذّرًا من أن بقاء نتنياهو في منصبه سيجعل استعادة الثقة بين البلدين مهمة بالغة الصعوبة.
وقال أورين في انتقاد مباشر لنتنياهو: “صحيح، إنه شخصية سامة. وإذا بقي في منصبه، فإنني أقدّر أن فرص تحسين علاقاتنا مع الولايات المتحدة ستكون شبه معدومة”.
غير أن السفير السابق لم يُبدِ تفاؤلًا كبيرًا بإمكان إحداث تغيير جوهري في الموقف الأميركي تجاه إسرائيل بمجرد استبدال نتنياهو بآيزنكوت، معتبرًا أن المشكلة تتجاوز هوية رئيس الحكومة إلى طبيعة السياسات التي تنتهجها إسرائيل.
وأوضح أن الحزب الديمقراطي الأميركي لن يغيّر بالضرورة موقفه إذا لم تتبدّل السياسات الإسرائيلية الأساسية، حتى لو تولّت السلطة قيادة جديدة.
وتساءل: “إذا لم يحصل تغيير جوهري في سياستنا، فكم من الوقت الإضافي يمكن أن نحصل عليه؟”.
وأضاف: “آيزنكوت لن يسحب جنديًا واحدًا من غزة أو لبنان أو سوريا، كما أنه لن يقيم دولة فلسطينية”.
ورأى أورين أن استمرار هذه السياسات سيجعل الديمقراطيين يعتبرون أن التغيير في إسرائيل اقتصر على الأشخاص، من دون أن يطال القرارات الأساسية.
وقال: “الديمقراطيون سيعتقدون أنها إسرائيل نفسها، لكن بوجوه جديدة”.
وفي ما يتعلق بمستقبل السياسة الأميركية خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس دونالد ترامب، توقّع أورين أن تشهد السنتان الأخيرتان من حكمه اهتمامًا متزايدًا بالملفات الخارجية، خصوصًا إذا واجه صعوبات في تمرير التشريعات داخل الولايات المتحدة.
وأوضح أن القيود السياسية الداخلية قد تدفع ترامب إلى التركيز بصورة أكبر على الساحة الدولية.
وقال: “من الممكن أن يوجّه الرئيس اهتمامه إلى قضايا السياسة الخارجية عندما يصبح طريقه لتمرير التشريعات مسدودًا”.
وفي هذا السياق، تطرّق أورين إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، معربًا عن اعتقاده بأن فرص التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين ضئيلة.
لكنه في المقابل رأى أن احتمال ممارسة ترامب ضغوطًا على إسرائيل لدفعها إلى بدء الانسحاب من قطاع غزة أكثر واقعية.
وقال: “هل يستطيع الضغط علينا للبدء بالانسحاب من غزة؟ هذا ممكن جدًا”.
ولم يكتفِ أورين بتشخيص الأزمة، بل طرح مجموعة من الخطوات التي يعتبر أنها قد تساعد إسرائيل على تحسين مكانتها الدولية، حتى في غياب تغيير جوهري في سياستها الأمنية.
وفي مقدّمة هذه الخطوات، دعا إلى القضاء على اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، ووقف البناء غير القانوني، والامتناع عن الدفع بمشاريع البناء في المنطقة المعروفة باسم “E1”.
وربط أورين بصورة مباشرة بين الاستمرار في المشروع الاستيطاني والمصالح الاقتصادية لإسرائيل، قائلًا: “يجب اتخاذ قرار، إما E1 وإما الاقتصاد”.
كما شدّد على ضرورة أن تصدر إسرائيل إعلانًا سياسيًا واضحًا يؤكد رغبتها في تحقيق السلام مع دول المنطقة.
وقال: “علينا أن نعلن أن وجهتنا هي السلام، وأننا نريد السلام مع جميع جيراننا”.
وانتقل السفير السابق إلى مناقشة المواقف السلبية تجاه إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، داعيًا إلى التمييز بين شخصيات تعارض إسرائيل من حيث المبدأ، وأخرى يمكن أن تتبنّى مواقف أكثر دعمًا لها إذا اتخذت خطوات سياسية مناسبة.
وفي هذا الإطار، تطرّق إلى السياسي الأميركي عبدول السيد، معتبرًا أنه يمثل تيارًا لا ترتبط معارضته لإسرائيل بالسياسات التي تعتمدها، بل بهويتها ووجودها.
وقال أورين: “هناك شخص مثل السيد يكرهنا بسبب ما نحن عليه، وليس بسبب ما نفعله. يمكننا تقسيم القدس غدًا، وسيواصل كراهيتنا”.
وفي المقابل، شدّد على أن الحزب الديمقراطي لا يزال يضم، وفق تقديره، غالبية لا تتبنّى المواقف المتشددة تجاه إسرائيل، معتبرًا أن التعامل مع هذه الفئة يجب أن يشكّل أولوية في السياسة الإسرائيلية تجاه واشنطن.
وقال: “هناك اليوم غالبية ديمقراطية غير متطرفة. ولكي لا نسمح بانجرافها نحو اليسار المتطرف، علينا أن نساعدها على مساعدتنا”.
وأوضح أن المطلوب من إسرائيل ليس الاكتفاء بمطالبة حلفائها الأميركيين بالدفاع عنها، بل توفير أساس سياسي واضح يمكّنهم من تبرير استمرار دعمهم لها أمام الرأي العام الأميركي.
واختتم أورين موقفه بدعوة إسرائيل إلى منح هؤلاء الحلفاء مبررات سياسية يستطيعون الاستناد إليها، قائلًا: “أعطوهم شمّاعة يمكنهم تعليق دعم إسرائيل عليها”.
وبذلك، وضع السفير الإسرائيلي السابق الأزمة مع واشنطن أمام معادلتين مترابطتين: الأولى تتعلق باستمرار نتنياهو في السلطة وتأثيره على العلاقات الثنائية، والثانية ترتبط بالسياسات الإسرائيلية نفسها، التي يرى أن تغيير القيادة من دون تعديلها قد لا يكون كافيًا لإعادة بناء العلاقات مع الحزب الديمقراطي الأميركي.

