تحوّلت أزمة مصرفية في باراغواي إلى عاصفة مالية وسياسية تهدّد بالوصول إلى رأس السلطة، بعدما فقد نحو 3 ملايين عميل القدرة على الوصول إلى حساباتهم في أحد أكبر المصارف الرقمية في البلاد، وسط توقيف مسؤولين بارزين واستقالة رئيس المصرف المركزي، فيما بدأت المعارضة تحرّكًا برلمانيًا لعزل الرئيس سانتياغو بينيا، على خلفية شبهات تتعلق بإدارة مئات ملايين الدولارات من الأموال العامة وتضارب المصالح.
وبحسب تقرير للصحافية إفرات نومبرغ يونغر، نشره موقع “mako” الإسرائيلي، اليوم الخميس، فقد نحو 3 ملايين عميل في مصرف “Ueno” الرقمي إمكانية الوصول إلى حساباتهم خلال الأسبوع الحالي، بعدما تدخّل المصرف المركزي في إدارته وعلّق ترخيصه، إثر تدهور حاد في قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية، وانخفاض نسبة كفاية رأس المال لديه إلى أقل من نصف الحد الأدنى الذي يفرضه القانون.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند القطاع المصرفي، إذ أدّت حتى الآن إلى توقيف 8 مسؤولين كبار واستقالة رئيس المصرف المركزي، فيما باتت تهدّد مستقبل الرئيس سانتياغو بينيا، في ظل تصاعد الاتهامات المتعلقة بالعلاقة بين المصرف والدوائر العليا في السلطة.
وفي قلب هذه القضية، تبرز الروابط المالية والسياسية بين المصرف والقيادة الحاكمة. فبحسب وكالة “رويترز”، كان مصرف “Ueno” يدير نحو 850 مليون دولار من الأموال العامة، بينها حوالى 380 مليون دولار تعود إلى صندوق التقاعد الحكومي التابع لمؤسسة الضمان الاجتماعي “IPS”.
وتزداد حساسية الملف مع الكشف عن أن الرئيس بينيا كان يمتلك أسهمًا في مجموعة “فاسكيز” (Grupo Vázquez)، التي تسيطر على المصرف، حتى آذار 2025، أي قبل أقل من عامين من اندلاع الأزمة.
كما طاولت التساؤلات رئيس المصرف المركزي كارلوس كارفاليو، الذي استقال الثلاثاء على خلفية القضية، بعدما تبيّن أنه سبق أن ترأس المؤسسة المالية التي نشأ منها مصرف “Ueno”، وبقي في هذا المنصب حتى آب 2023، قبل أن يعيّنه بينيا نفسه على رأس المصرف المركزي.
وفي محاولة للرد على الانتقادات، أوضح المصرف المركزي أن كارفاليو تنحّى عن المشاركة في جميع القرارات المتعلقة بمصرف “Ueno”، غير أن منتقديه اعتبروا أن علاقته السابقة بالمؤسسة المالية تطرح تضاربًا بنيويًا في المصالح.
وتزامن تفاقم الأزمة المصرفية مع تحرّك سياسي داخل البرلمان، بعدما قدّم 35 نائبًا في مجلس النواب وثيقة تدفع باتجاه إطلاق إجراءات لعزل الرئيس بينيا.
ويتهم النواب الرئيس، من بين أمور أخرى، بتضارب المصالح وسوء استخدام أموال التقاعد والتستّر المؤسسي على طريقة التعامل مع الأزمة. وتبقى هذه الاتهامات في إطار ادعاءات المعارضة التي لم يُحسم أمرها قضائيًا حتى الآن.
ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب جلسة خاصة اليوم الخميس لمناقشة الملف، إلا أن أي خطوة لعزل الرئيس تستلزم أيضًا إجراءات في مجلس الشيوخ، في وقت يتمتع فيه حزب بينيا بأغلبية وازنة داخل الكونغرس، ما يعني أن النقاش البرلماني لا يشكّل بالضرورة خطوة حاسمة نحو إطاحته.
ووفقًا لـ”رويترز”، لم يعلّق بينيا علنًا حتى الآن على المبادرة الرامية إلى عزله، لكنه دعا، في منشور نشره الأربعاء، القيادات السياسية إلى وضع مصالح المودعين في مقدمة الأولويات، مؤكّدًا أن المسؤولين عن المخالفات سيُحالون إلى القضاء “من دون استثناء”.
أما على المسار القضائي، فقد سلّم المسؤولون الـ8 الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف أنفسهم إلى السلطات، فيما أصدر القضاء قرارًا بتجميد أصولهم المالية.
وبحسب صحيفة “ABC Color” المحلية، تضم قائمة الموقوفين رئيس المصرف ومؤسسه، في حين لا تزال التحقيقات مستمرة من دون أن تُثبت مسؤوليتهم الجنائية حتى الآن.
وكان المصرف المركزي قد بدأ تدخّله الثلاثاء، بعدما كشفت تصحيحات محاسبية عن تراجع حاد في نسبة كفاية رأس المال لدى “Ueno”، ما دفع وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” (S&P) إلى خفض تصنيف المصرف إلى “D”.
وتشير الوكالة إلى أن “Ueno” يُعد سادس أكبر مصرف في باراغواي، ويستحوذ على نحو 8% من إجمالي الائتمان في النظام المصرفي، ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بتعثّره.
واللافت أن مؤشرات الخلل كانت قد ظهرت قبل أشهر من التدخل الرسمي، إذ حذّر المصرف المركزي إدارة “Ueno”، منذ حزيران الماضي، من منح حجم غير اعتيادي من القروض لشركات مرتبطة بالمجموعة المالكة للمصرف.
وعلى الرغم من حرمان العملاء من الوصول إلى حساباتهم، فإن ذلك لا يعني خسارتهم جميع أموالهم. فقد أعلن المصرف المركزي أن صندوق ضمان الودائع يغطي مبلغًا يصل إلى 228.3 مليون غواراني لكل مودع، أي ما يعادل نحو 37 ألف دولار.
ووفق التقديرات الأولية، يُفترض أن يكون هذا السقف كافيًا لتغطية ودائع نحو 97% من المودعين بالكامل، في خطوة تهدف إلى الحد من التداعيات المالية والاجتماعية للأزمة.
وأوضح المصرف المركزي أن دفع السلف المالية سيبدأ خلال 24 ساعة من نشر الإعلان الرسمي، بعد حسم الديون المتأخرة المستحقة على المودعين، على أن تُعاد المبالغ المشمولة بالضمان تدريجيًا وعلى مراحل.
في المقابل، تبقى الأموال التي تتجاوز سقف الضمان المحدد غير مضمونة بالكامل، ما يثير مخاوف لدى أصحاب الودائع الكبيرة بشأن مصير أموالهم.
ولم تبقَ تداعيات الأزمة محصورة في مصرف “Ueno”، بل امتدت إلى مؤسسات مصرفية أخرى، وسط تقارير إعلامية محلية عن طوابير أمام المصارف وحالة من الهلع دفعت عددًا من العملاء إلى سحب أموالهم.
وأعلن المصرف المركزي أن الإقبال الكثيف على فتح حسابات جديدة في مصارف أخرى أدّى إلى اضطرابات تقنية في التطبيقات المصرفية، في مؤشر إلى انتقال آثار الأزمة إلى النظام المالي الأوسع.
وفي موازاة التطورات المالية، شهدت العاصمة أسونسيون احتجاجات شعبية، وثّقت خلالها صحيفة “ABC Color” استخدام الشرطة رذاذ الفلفل والرصاص المطاطي لتفريق متظاهرين قرب النصب الوطني لأبطال البلاد.
كما تجمّعت مجموعات أخرى من المحتجين قرب مقر إقامة الرئيس، فيما خطّط متظاهرون لتنظيم اعتصام ليلي قرب مبنى الكونغرس، في ظل تصاعد الغضب الشعبي من إدارة الأزمة.
وفي محاولة للحد من انعكاساتها على المتقاعدين، أعلنت مؤسسة الضمان الاجتماعي نقل 32 ألف مستفيد من المعاشات التقاعدية إلى مصارف أخرى، لضمان استمرار حصولهم على مستحقاتهم.
وهكذا، تجاوزت أزمة “Ueno” حدود التعثّر المصرفي، بعدما امتدت تداعياتها إلى أموال التقاعد والمصارف الأخرى والشارع والبرلمان، لتضع إدارة الرئيس سانتياغو بينيا أمام اختبار مالي وسياسي متزامن، فيما لا يزال ملايين العملاء يترقبون استعادة القدرة على الوصول إلى أموالهم.

