بدل أن يُساق الموقوف إلى قصر العدل للمحاكمة، يُضطر المحامي إلى الذهاب إلى سجن رومية ليدافع عنه. هكذا انقلبت المعادلة في جنايات جبل لبنان: نُقلت جلسات المحكمة إلى داخل السجن، وأُجبر المحامون على قطع الطريق إليه كل أسبوع، خاسرين نهاراً كاملاً من عملهم ووقتهم.
منذ إعادة تفعيل قاعة المحاكمات في رومية في حزيران 2025، باتت غرف جنايات جبل لبنان تعقد جلساتها هناك ثلاثة أيام أسبوعياً، فيما أُفرغ قصر العدل في بعبدا من محكمته. ولم تقدّم الجهات المعنية حتى اليوم تفسيراً مقنعاً لهذا القرار، رغم أن الموقوفين يُنقلون من رومية إلى زحلة وبعلبك وبيروت، وإلى قصر العدل في بعبدا نفسه للمثول أمام قضاة ومحاكم أخرى.
فإذا كان نقل الموقوف إلى بعبدا ممكناً للتحقيق أو للمثول أمام قاضٍ آخر، فما الذي يجعل نقله مستحيلاً لمحاكمته أمام جنايات جبل لبنان؟ ولماذا يتحمل المحامي وحده كلفة هذا الاستثناء من وقت ووقود ومشقة، فيما يمكن عقد الجلسات في قصر العدل، حيث المحاكم والأقلام والدوائر؟
وإذا كانت الحجة هي تخفيف الضغط عن عملية سوق الموقوفين، فالحل يكون بزيادة عدد العناصر الأمنية والآليات المخصصة لنقلهم، لا بنقل المحكمة إلى السجن وتحميل المحامين تبعات هذا النقص. لا يجوز معالجة خلل في النقل على حساب كرامة المحامين وحقهم في ممارسة مهنتهم في قصر العدل.
كما أن قانون العفو العام أسقط، في الملفات المشمولة بأحكامه، الملاحقات بقوة القانون، وتوقفت جلسات عدد منها. وكان يُفترض أن يساهم ذلك في تخفيف أعداد الموقوفين واكتظاظ السجون والضغط على عملية سوقهم. ومع تبدّل هذه المعطيات، يصبح الإبقاء على جنايات بعبدا في رومية أكثر عبثية؛ وعلى وزير العدل أن يراجع قراره فوراً ويعيد الجلسات إلى قصر العدل.
والأكثر فداحة أن أكثر من مئتي محامٍ وقّعوا عريضة تطالب بإعادة المحكمة إلى مقرها الطبيعي، لكن اعتراضهم قوبل بالتجاهل، من دون جواب علني يشرح أسباب الإبقاء على القرار أو يحدد موعداً لإنهائه. وهذا الاستخفاف بمطلب مهني واسع يضع نقابة المحامين أمام مسؤوليتها المباشرة.
أين النقابة من قرار يرهق المحامين ويعطّل عملهم؟ وأين موقفها من عريضة وقّعها أكثر من مئتي محامٍ؟ لا يكفي أن تراقب النقابة ما يجري أو تنقل الشكوى؛ فالدفاع عن المحامين واجبها. وكان عليها أن تتبنى مطلبهم وتضغط لإعادة المحكمة إلى بعبدا. إن تقاعسها عن اتخاذ موقف حاسم ترك المحامين يواجهون القرار وحدهم.
إن نقل جلسات جنايات جبل لبنان إلى رومية قرار مجحف يجب أن يُلغى. فهو يحمّل المحامين والمتقاضين تبعات إجراء لم تُشرح مبرراته، ويعطّل مصالح المحامين الذين كانوا ينجزون في قصر العدل معاملاتهم أمام المحاكم والأقلام والدوائر في اليوم نفسه. أما نقل الملفات بين بعبدا ورومية ذهاباً وإياباً، فيزيد أعباء العمل القضائي ويفتح الباب أمام مزيد من التأخير.
المسؤولية تقع على الجهات التي اتخذت القرار وأبقت عليه، وعلى نقابة المحامين التي تقاعست عن مواجهته بما يليق بحجم الاعتراض. المطلوب إعادة جلسات محكمة جنايات جبل لبنان فوراً إلى قصر العدل في بعبدا، وتحرك نقابي علني وحازم لفرض ذلك.
المحكمة مكانها قصر العدل، لا خلف أسوار السجن. والمحامي مكانه أن يدافع عن موكله أمام القضاء، لا أن يُجبر كل أسبوع على الذهاب إلى السجن كي تصل المحكمة إلى موكله.

