بين التردد في العودة إلى الحرب والبحث عن مسؤولين عن تعثر المواجهة مع إيران، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب أداء كبار مسؤوليه العسكريين والأمنيين، وسط اتهامات داخل محيطه بأنهم لا يقدمون له الصورة الحقيقية لما يجري، فيما تتجه الأنظار إلى وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين. وفي موازاة ذلك، تشير تقديرات في الإدارة الأميركية إلى أن بنيامين نتنياهو سيدعم استئناف الهجمات على إيران، باعتبار أنه يرى فيها وسيلة لتعزيز فرص بقائه في السلطة.
وبحسب تقرير نشره موقع “mako” الإسرائيلي، نقلًا عن مجلة “ذي أتلانتيك”، لم يحسم ترامب حتى الآن قراره بشأن إطلاق جولة عسكرية جديدة ضد إيران، رغم أنه يدرس هذا الخيار منذ أسابيع، ويتساءل عما إذا كان استئناف القتال سيحقق الانتصار الذي سبق أن أعلن تحقيقه.
كما يبحث ترامب، وفق التقرير، عن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية تعقّد الحرب، بعدما كان مستشاروه قد وعدوه بأن المواجهة ستنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة في 3 تشرين الثاني، فضلًا عن تساؤلاته بشأن مدى إمكان الوثوق بتأكيداتهم أن الخطة الجديدة ستنجح حيث فشلت الخطط السابقة.
ونقل التقرير عن مستشارين خارجيين لترامب قولهما إن الرئيس سأل أشخاصًا من محيطه عن أداء وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين. ويُعرف عن ترامب أنه يستشير أصدقاء من خارج الإدارة قبل اتخاذ قرارات تتعلق بتغيير مسؤولين كبار.
وقال أحد المستشارين: “هيغسيث بارع في قول ما يريد الرئيس سماعه”.
وبحسب “ذي أتلانتيك”، لا يحظى هيغسيث بشعبية في أجزاء واسعة من البيت الأبيض، فيما يرى بعض المقربين من ترامب أنه لا يقدم للرئيس صورة صادقة عن واقع الحرب، بل يعرضها بصورة وردية بهدف إرضائه.
في المقابل، نفى المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل هذه الاتهامات، وقال إن “الوزير هيغسيث يقدم دائمًا للرئيس وكبار مسؤولي البيت الأبيض الصورة العملياتية الكاملة”، معتبرًا أن أي ادعاء مخالف لذلك “خاطئ تمامًا”.
وتزامن ذلك مع تصعيد ترامب في خطابه تجاه إيران، إذ قال خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا، عشية انتخابات التجديد النصفي، إن “السبب الوحيد لعدم إنهائي الأمر مع إيران هو أنني أريد أن أكون لطيفًا. أريد محاولة إنقاذ الأرواح إذا استطعت”.
وأضاف: “لكن في مرحلة ما، سيتعين علينا إنزال المطرقة عليهم”.
وفي السياق نفسه، أفادت تقارير إعلامية أميركية بأن ترامب تحدث السبت مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن المفاوضات مع طهران وإمكان توسيع العمليات العسكرية.
ونقل موقع “أكسيوس” أن نتنياهو ضغط باتجاه تنفيذ هجوم فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فيما فضّل ترامب منح المسار الدبلوماسي مزيدًا من الوقت.
ويأتي هذا النقاش في ظل مخاوف داخل البيت الأبيض من تعرض الجمهوريين لانتكاسة كبيرة في الانتخابات النصفية. ووفق التقرير، لا ترى أوساط في البيت الأبيض أن ترامب سيتمكن على الأرجح من تحقيق اختراق سياسي جديد.
وقال مستشاران ومسؤول في الإدارة الأميركية إن ترامب غاضب خلال الأسابيع الأخيرة بسبب عدم وصول رسائله إلى الجمهور، ويعتقد أن الحرب على إيران مسؤولة عن جزء من وضعه السياسي المتراجع. ووفق “ذي أتلانتيك”، يوجه ترامب غضبه خصوصًا إلى المسؤولين الذين وعدوه بحرب قصيرة وحاسمة.
وكان هيغسيث وكاين قد زارا البيت الأبيض الأسبوع الماضي، وقدما إلى ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس مجموعة من الخيارات الهادفة إلى تهيئة الظروف التي تسمح للرئيس بإعلان الانتصار.
كما زار البيت الأبيض خلال الأسبوع نفسه قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأدميرال براد كوبر، المسؤول عن العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.
وبحسب مسؤولين حاليين وسابقين في المؤسسة الأمنية الأميركية مطلعين على الخطط، تتراوح الخيارات المطروحة بين ضربات تستمر بضع ساعات، وأخرى تمتد أيامًا أو أسابيع.
كما يستطيع ترامب مواصلة الحصار البحري الأميركي في مضيق هرمز، مع الإبقاء على التهديد باستئناف العمليات العسكرية، أو إنهاء التدخل الأميركي.
ويعتقد مؤيدو استئناف الضربات أن الضغوط الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها، وأن توسيع النشاط العسكري قد يدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
ومن بين السيناريوهات المطروحة شن حملة عسكرية طويلة تستهدف منظومات الدفاع الإيرانية، على غرار ما حصل في بداية الحرب، قبل أن تنقل الولايات المتحدة محور ضرباتها إلى القوات الإيرانية المنتشرة حول مضيق هرمز.
أما الخيار الآخر، فيتمثل في تنفيذ حملة تستمر عدة أيام ضد البرنامج النووي الإيراني.
ولا تقتصر الأهداف المحتملة على المنشآت النووية والعسكرية، إذ قد تشمل الضربات أيضًا البنى التحتية في إيران.
ووفق التقرير، ستقول الولايات المتحدة إنها تستهدف منشآت تُستخدم لأغراض مدنية وعسكرية في الوقت نفسه، إلا أن المدنيين سيبقون معرضين للخطر، كما قد تشكل هذه الهجمات انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
وتطرق تقرير “ذي أتلانتيك” أيضًا إلى إسرائيل، مشيرًا إلى أن عددًا من المسؤولين في الإدارة الأميركية يعتقدون أن نتنياهو، الذي لا يزال مستقبله السياسي غير واضح بعد الانتخابات الإسرائيلية، سيدعم استئناف الضربات.
وبحسب هذه التقديرات، فإن نتنياهو يؤيد الحرب ويرى أن تجددها قد يساعده على البقاء في السلطة.
لكن التقرير يحذر من أن تنفيذ حملة عسكرية مدمرة لا يضمن انتزاع تنازلات من طهران، إذ قد يتمكن النظام الإيراني من الصمود أمام الضربات وتقديم بقائه باعتباره إنجازًا وانتصارًا.
وأشار التحليل إلى أن الضربات القصيرة التي أعقبت الحملة العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مدى أسابيع، بدءًا من نهاية شباط، لم تؤدِّ إلى تليين الموقف الإيراني، بل ساهمت في تشدّده ودفعته إلى استهداف مصالح أميركية وحلفاء لواشنطن في المنطقة.
كما أن أي جولة عسكرية جديدة ستؤدي إلى استنزاف إضافي لمخزون الذخائر الأميركية.
وفي المقابل، يأمل بعض المقربين من ترامب أن يكون التهديد باستئناف الضربات كافيًا لإعادة إيران إلى المفاوضات، رغم أن هذا المسار، بحسب التقرير، أخفق مرات عديدة في السابق.
وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد أرسل الأحد الماضي رسالة إلى محسن رضائي، الذي وصفه التقرير بأنه المسؤول عن الأمن في إيران، اقترح فيها استئناف محادثات سلام مباشرة.
وشدد فانس في رسالته على ضرورة إدراج البرنامج النووي الإيراني على جدول الأعمال منذ بداية المفاوضات، لكنه لم يوضح ما الذي ستحصل عليه طهران في المقابل، إن كان هناك أي مقابل.
وطلب الوسطاء الدوليون الذين نقلوا الرسالة عقد اجتماع في وقت لاحق من الأسبوع، بالتزامن مع الفترة التي يُتوقع أن يتخذ فيها ترامب قراره بشأن استئناف العمليات العسكرية.
ويشير التقرير إلى أن الخيارات العسكرية المطروحة لا تقدم حلًا واضحًا للتهديدات التي تمثلها أذرع إيران في المنطقة، وفي مقدمتها الحوثيون في اليمن، الذين استهدفوا السعودية مؤخرًا، رغم أن القضاء على هذه الأذرع كان أحد الأهداف المعلنة للحرب التي أطلقها ترامب.
كما أن استئناف الضربات قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وفرض أعباء اقتصادية إضافية على الولايات المتحدة وحلفائها، فضلًا عن احتمال أن تؤدي ردة الفعل الإيرانية إلى توسيع نطاق المواجهة.
وفي هذا الإطار، قال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، خلال مؤتمر في المنامة: “ليس من مصلحة المنطقة الدخول في جولة جديدة”.
وأضاف أن الإمارات تأمل أن تفضي الجهود الدبلوماسية إلى اختراق، لكنها تستعد في الوقت نفسه لاحتمال استئناف القتال، مؤكدًا أنها “مستعدة للأسوأ”.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن ترامب قد يحتفظ بقرار تنفيذ الضربة ضمن دائرة ضيقة للغاية حتى اللحظة الأخيرة، مستندًا إلى ما حصل قبل اندلاع الحرب، حين لم يُبلغ البيت الأبيض أقرب حلفائه بالخطط العسكرية، ولم يطلب آراء مسؤولين في وزارتي الطاقة والتجارة.
وكان من الممكن لهؤلاء، وفق التقرير، التحذير من التداعيات الاقتصادية المترتبة على سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي يشكل ممرًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية.
وبين حسابات الانتخابات والضغوط العسكرية ومخاطر أسواق الطاقة، يجد ترامب نفسه أمام قرار لا يتعلق فقط بمستقبل المواجهة مع إيران، بل أيضًا بكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، وبمستقبل التوازنات الإقليمية في حال تجدد القتال.

