لم تعد قضية خلف الحبتور مجرّد شكوى فردية أو سجال سياسي عابر، بل تحوّلت إلى اختبار للدولة اللبنانية: هل تتحرك للتحقق مما أُثير عن مضايقات وتهديدات تعرّض لها مستثمر عربي، أم تترك القضية معلّقة، بما تحمله من تداعيات على سمعة لبنان وثقة المستثمرين به؟
في مقاله في “الشرق الأوسط”، تناول الرئيس فؤاد السنيورة الصعوبات التي واجهها الحبتور، وإقفال مؤسسات له في لبنان، واضعاً القضية في سياق أوسع يتصل بتراجع البيئة الاستثمارية وغياب المبادرة الرسمية لمعالجة شكواه. فلبنان، الذي يحتاج إلى الاستثمارات وفرص العمل، لا يستطيع تجاهل مخاوف قد تدفع المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو الامتناع عن ضخ أموال جديدة.
ومن جهته، طالب النائب أشرف ريفي الدولة بحماية المستثمرين وملاحقة كل من يهددهم أو يسيء إليهم، إذا ثبتت الوقائع، أياً تكن الجهة المعنية. أما الكاتب والمحلل السياسي نضال السبع، فتناول من زاوية أوسع مسؤولية حماية العلاقات اللبنانية–الإماراتية، داعياً إلى التحقيق في إساءات قال إنها طالت رئيس دولة الإمارات، ومحذراً من الانتقائية في تطبيق القانون.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين بقية القوى والمرجعيات السياسية، من مختلف الطوائف، من قضية تمسّ صورة لبنان ومصالحه؟ أين المواقف المسيحية والشيعية والدرزية، وأين صوت الهيئات الاقتصادية؟ لا يجوز أن يبقى الدفاع عن حماية المستثمرين محصوراً بأسماء أو اصطفافات؛ فالمسألة وطنية، ونتائجها تطال اللبنانيين جميعاً.
ولا يعني ذلك إصدار أحكام مسبقة أو تبنّي رواية أي طرف قبل التحقق منها. المطلوب أن تستمع الجهات المختصة إلى الشكوى، وتتحقق من الوقائع، وتعلن للرأي العام الإجراءات التي اتخذتها. فإذا ثبت وجود تهديد أو إساءة، وجبت المحاسبة وفق القانون، وإذا لم تثبت، وجب توضيح ذلك. أما ترك القضية رهينة السجال والصمت، فيضعف الثقة بالدولة ومؤسساتها.
حماية المستثمرين ليست منّة ولا امتيازاً، بل واجب على الدولة تجاه كل من يعمل في لبنان، مواطناً كان أم مستثمراً. وقضية الحبتور تفرض على المسؤولين والقوى السياسية موقفاً واضحاً: تحقيق شفاف، وتطبيق للقانون على الجميع، وصون لسمعة بلد لا يحتمل أن يتحول إلى بيئة طاردة للاستثمار.
ولم يعد مقبولاً أن تنتهي القضية عند حدود المواقف. على الدولة أن توضح: هل تواصلت مع الحبتور؟ وهل تحققت من شكواه؟ وما الإجراءات التي ستتخذها إذا ثبتت التهديدات؟ وعلى القوى السياسية، من مختلف الطوائف، أن تجيب عن سؤال يتجاوز الاصطفاف: هل تقبل أن يُترك المستثمر بلا حماية، وأن تصبح سمعة لبنان رهينة الصمت؟ فالتحقيق الشفاف والمحاسبة وفق القانون ليسا مطلباً للحبتور وحده، بل خطوة أساسية لاستعادة ثقة اللبنانيين والمستثمرين بالدولة.

