لم يكن اتفاق الطائف مجرّد تسوية لإنهاء الحرب اللبنانية، بل حمل مشروعاً لإعادة بناء الدولة وتنظيم مؤسساتها على قواعد دستورية تضمن انتظام الحياة السياسية والعامة. غير أن المسافة بين النصوص وتطبيقها بقيت مفتوحة على أزمات متلاحقة، جعلت الاستحقاقات الدستورية، من انتخاب رئيس للجمهورية إلى تشكيل الحكومات، محطات يتكرّر عندها التعطيل بدل أن تشكّل مساراً طبيعياً لتداول السلطة واستمرار عمل المؤسسات.
وفي ذكرى إقرار الاتفاق، يتجدّد النقاش حول كيفية حماية الأسس التي أرساها، ومعالجة الثغرات التي كشفتها التجربة. فالسؤال لم يعد يقتصر على التمسّك بالطائف، بل يشمل أيضاً كيفية ترجمة هذا التمسّك إلى مؤسسات قادرة على العمل، وقواعد تحول دون إبقاء البلاد في أزمات مفتوحة كلما تعثّر التوافق السياسي.
في هذا السياق، يعتبر النائب ملحم خلف، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “اتفاق الطائف شكّل مدخلاً لقيام الدولة وتنظيم مؤسساتها والحياة العامة فيها”، مشيراً إلى أن “التجربة منذ إقرار الاتفاق وتحويله إلى نصوص دستورية أظهرت ثغرات كبيرة تستدعي إصلاحات دستورية أساسية”.
ويوضح خلف أن “الحاجة إلى هذه الإصلاحات برزت خصوصاً في مواجهة التعطيل الذي شهده لبنان على مدى السنوات، سواء في الاستحقاقات الرئاسية أو في مسألة المهل، ولا سيما غياب مهل محدّدة لتشكيل الحكومات، وما يتركه ذلك من انعكاسات سلبية على انتظام الحياة العامة”.
وتبرز في هذا الطرح إشكالية العلاقة بين وجود النص الدستوري وقدرته على ضمان استمرار المؤسسات. فحين يطول التعثّر في إنجاز الاستحقاقات، تتجاوز تداعياته الخلاف بين القوى السياسية، لتنعكس على قدرة الدولة على اتخاذ القرارات ومواكبة حاجات المواطنين. ومن هنا، تصبح معالجة أسباب الشلل جزءاً أساسياً من أي نقاش في تفعيل المؤسسات.
ويشدّد خلف على أن “التمسّك باتفاق الطائف يجب أن يترافق مع التوجّه إلى إصلاحات تعالج الثغرات التي كشفتها الممارسة، بما يسمح بتنظيم عمل المؤسسات وضمان انتظامها وتجاوز حالات التعطيل”. وهو بذلك يربط الحفاظ على الاتفاق بتطوير الآليات التي تتيح تطبيقه وتحقيق الغاية منه، أي قيام دولة تستمر مؤسساتها في أداء أدوارها عند الخلاف كما عند التوافق.
إلا أن الإصلاح، في مقاربة خلف، يرتبط أيضاً بالممارسة السياسية، إذ يدعو إلى “مزيد من الإيمان بالحياة الديموقراطية واحترام الدستور والمبادئ الدستورية والخيار الوطني، باعتبارها أسساً لا بدّ منها لقيام الدولة وانتظام الحياة العامة”.

