بالتزامن مع استئناف المفاوضات العسكرية بين لبنان وإسرائيل في مدينة تامبا الأميركية، صعّد الجيش الإسرائيلي اتهاماته للمؤسسة العسكرية اللبنانية بالتقصير في تنفيذ الترتيبات الأمنية جنوب الليطاني، والسماح لحزب الله بالحفاظ على بنى عسكرية ونقل أسلحة من مواقع يفترض أن تكون تحت إشراف الجيش، في خطوة أثارت تساؤلات حول توقيتها وأهدافها وانعكاساتها على المفاوضات.
وجاء التصعيد عبر المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، إيلا واوية، التي نشرت الثلاثاء بياناً ومقاطع مصورة زعمت أنها توثق استمرار نشاط حزب الله في منشآت عسكرية سبق إبلاغ الجيش اللبناني بضرورة معالجتها، متهمةً المؤسسة العسكرية بعدم تنفيذ التزاماتها بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار المبرمة في تشرين الثاني 2024.
وذهبت الاتهامات الإسرائيلية إلى حد الادعاء بوجود تنسيق بين عناصر من الجيش اللبناني وحزب الله، سمح للأخير بسحب أسلحة من مواقع معينة قبل اتخاذ إجراءات بشأنها، مستشهدةً بمنشأة في بلدة كفرا الجنوبية، قالت إن أسلحة نُقلت منها بواسطة شاحنة رغم إعلان الجيش معالجتها.
إلا أن قيادة الجيش اللبناني ردّت ببيان رسمي كشفت فيه تسلسلاً زمنياً مختلفاً، موضحةً أن وحداتها باشرت معالجة منشأة كفرا منذ كانون الأول 2025، واستمرت حتى 16 آذار 2026، عندما اضطرت إلى وقف العمل وإخلاء المنطقة بطلب من لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، نتيجة تهديدات إسرائيلية بقصف الموقع.
وأكد الجيش أنه أبلغ اللجنة بعدم اكتمال المهمة وبقاء أعتدة وذخائر داخل المنشأة، التي تعرضت لاحقاً لقصف إسرائيلي. كما طالب مراراً بتأمين الظروف اللازمة لاستكمال العمل، لكن محاولاته اصطدمت بالرفض الإسرائيلي، قبل أن يعود إلى الموقع في 15 آب 2026 بالتنسيق مع اللجنة، ويستكمل مهمته ويقفل المنشأة نهائياً في 16 تشرين الأول الجاري.
أما المفارقة الأبرز في الرد اللبناني، فتعلقت بالفيديو الإسرائيلي الذي يظهر شاحنة مستهدفة، إذ أكد الجيش أن الحادثة وقعت في 3 تموز 2026 في منطقة صديقين بقضاء صور، وليس في كفرا، ما يثير تساؤلات حول استخدام مشاهد تعود إلى مواقع وأوقات مختلفة لدعم الاتهامات.
وشددت قيادة الجيش على أن جميع هذه الوقائع موثقة لدى لجنة الإشراف، معتبرةً أن الاتهامات الإسرائيلية المتكررة تهدف إلى التشكيك في مصداقية المؤسسة العسكرية اللبنانية محلياً ودولياً، بالتزامن مع المفاوضات الجارية.
وتكتسب هذه المواجهة أهمية خاصة في ضوء اجتماعات تامبا، حيث تشكل آلية التحقق من نزع السلاح وصلاحيات المراقبين والانسحاب الإسرائيلي أبرز نقاط الخلاف. فإسرائيل تربط استكمال انسحابها بنتائج الإجراءات اللبنانية ضد سلاح حزب الله، فيما يؤكد لبنان أن استمرار الاحتلال والاعتداءات والتوغلات يعرقل انتشار الجيش وتنفيذ التزاماته.
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد شدد على أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب يحدّ من قدرة الجيش على الوصول إلى الحدود الدولية وتطبيق القرار 1701، في وقت لوّح فيه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإجراءات عسكرية إضافية، بالتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية.
ويطرح توقيت الاتهامات احتمال توظيفها للضغط على الوفد اللبناني، وتوسيع صلاحيات آلية التحقق، وربط الانسحاب الإسرائيلي بتقييم تل أبيب لأداء الجيش، من دون وجود دليل معلن على خطة إسرائيلية محددة بهذا الاتجاه.
لكن رد الجيش يضع الجهة الأميركية الراعية للمفاوضات أمام وقائع قابلة للتدقيق، ولا سيما أن وقف العمل في كفرا وبقاء الذخائر، وفق الرواية اللبنانية، كانا معروفين لدى لجنة الإشراف، قبل استكمال المهمة وإقفال المنشأة. ويبقى التحقق المستقل من سجلات اللجنة والمقاطع المصورة ضرورياً لحسم التفاصيل المتنازع عليها.
وهكذا، تتجاوز المواجهة مسألة منشأة عسكرية أو شاحنة أسلحة، لتلامس صلاحيات الجيش اللبناني وصدقية آلية المراقبة ومستقبل الانسحاب الإسرائيلي.
ويبقى السؤال: هل تسعى إسرائيل إلى ضمان تنفيذ الترتيبات الأمنية، أم إلى فرض معايير تمنحها حق التدخل العسكري كلما اعتبرت أن الإجراءات اللبنانية غير كافية؟

