لم تكن العمّة “نمرة” تعلم أن زيارة ابن شقيقها “حيدر.ع” إلى منزلها تخفي وراءها مخططاً لسرقتها وقتلها. فتحت له باب منزلها كالمعتاد، ثم دخلت المطبخ لإعداد القهوة، من دون أن تدري أن الفنجان الذي تحضّره سيكون بعد دقائق أداة لإنهاء حياتها. وبمساعدة صديقه وشريكه “علي.ح”، انقضّ الاثنان عليها، فضربها الأخير على رأسها بقبضة حديدية، فيما تولى ابن شقيقها خنقها وتكبيل يديها وإغلاق فمها بشريط لاصق. وبعد الاستيلاء على مجوهراتها وأموالها، لم يتركاها على قيد الحياة، إذ استخدم “علي” قطعة من أحد فناجين القهوة المكسورة لنحرها، بينما وقف ابن شقيقها يراقبها حتى فارقت الحياة.
جريمة مضى على وقوعها نحو تسع سنوات، عادت إلى الواجهة مع صدور حكم عن محكمة جنايات جبل لبنان قضى بإنزال عقوبة الإعدام بحق “حيدر.ع” و”علي.ح”، بعدما اقتنعت المحكمة بثبوت إقدامهما على قتل “نمرة.ع” عمداً وبهدف السرقة، وما رافق الجريمة من شراسة ووحشية.
خيوط الجريمة
تعود وقائع القضية إلى 9 كانون الثاني 2017، حين عُثر على “نمرة.ع” مقتولة داخل منزلها في محلة دوحة عرمون، بعدما تعرضت للضرب والخنق ونحر عنقها، فيما أظهرت التحقيقات أن الجريمة اقترنت بسرقة مصاغ ذهبي ومجوهرات وأموال من منزلها.
وبحسب ما خلص إليه الحكم، بدأت خيوط القضية تقود إلى ابن شقيق المغدورة “حيدر”، بعدما أظهرت التحاليل المخبرية وجود آثار لبصمته الوراثية “DNA” تحت أظافر الضحية، وعلى الرباط البلاستيكي الذي كانت مُكبّلة به، وعلى مسكة باب المنزل. كما أظهرت الدراسة الفنية لهاتفه وجود مكالمة مع والده طلب منه خلالها محو المكالمات الموجودة على هاتفه، فضلاً عن تسجيلات كاميرات المراقبة التي وثقت حركة السيارة المستخدمة في الجريمة.
خلال التحقيق الأولي، اعترف “حيدر” بأنه، بسبب ديون متراكمة عليه بلغت نحو عشرة آلاف دولار، خطط مع صديقه “علي” لسرقة عمته، لعلمه بأنها تحتفظ في منزلها بمبالغ مالية كبيرة تحت سرير غرفتها، إضافة إلى مجوهرات، واتفق الاثنان على تنفيذ الخطة في 9 كانون الثاني 2017.
أنهى عمله واشترى أدوات الجريمة
يوم الجريمة، وبعد انتهاء “حيدر” من عمله مع والده، اشترى شريطاً لاصقاً ورباطات بلاستيكية والتقى “علي” قرب منزله، قبل أن يتوجها معاً إلى المبنى الذي تقيم فيه عمته في دوحة عرمون. وأوقفا السيارة على مسافة مئتي متر من المبنى، ثم صعدا إلى الطابق الرابع، فيما بقي “علي” منتظراً على الدرج المؤدي إلى الطابق الخامس. طرق “حيدر” الباب، فاستقبلته عمته بالترحاب ودخل معها إلى المنزل، قبل أن تتوجه لإعداد القهوة، ثم انضم “علي” إليهما بعدما كان “حيدر” قد ترك له باب المنزل موارباً.
نحرها بفنجان القهوة
وعن كيفية تنفيذ الجريمة، يورد الحكم أنه بعدما أعدّت المغدورة القهوة وتوجهت نحو غرفة الجلوس حاملة صينية عليها ركوة القهوة وفنجانين، وعند وصولها قرب باب الغرفة، أقدم “علي” على ضربها على رأسها بواسطة قبضة حديدية كان يضعها في يده اليمنى، فيما أقدم “حيدر” على خنقها وربط يديها بالرباطات ووضع الشريط اللاصق حول فمها. ثم توجها إلى غرفة نومها، حيث خلعا درفة الخزانة واستوليا على كمية من المجوهرات وسرقا مبلغاً من النقود كان في حقيبتها.
عند خروجهما من الغرفة، كانت المغدورة لا تزال على قيد الحياة، فطلب “حيدر” من “علي” قتلها، فأخذ الأخير أحد فناجين القهوة المكسورة التي كانت على الأرض وبدأ بنحر المغدورة في رقبتها، فيما وقف “حيدر” يتفرج، إلى أن فارقت الحياة.
على الفور، غسل المتهمان يديهما، وبدّل “علي” سرواله المتسخ بالدماء بآخر أخذه من غرفة نوم ابن المغدورة، قبل أن يغادرا المنزل.
وتوجه “حيدر” بعد ذلك إلى متجر والده، ثم باع ما استولى عليه من سلاسل ذهب وخاتم إلى محل للمجوهرات، واستخدم جزءاً من المال في تسديد بعض ديونه. وقدّر “علي” حصته من العملية بنحو 400 ألف ليرة لبنانية و140 يورو.
روايات المتهمين والأدلة
أما “علي.ح”، فأنكر خلال التحقيق الأولي اشتراكه في قتل “نمرة.ع” وسرقة منزلها، إلا أنه أقر بأنه التقى “حيدر.ع” مساء يوم الجريمة، وأن الأخير وصل إليه بسيارة “تويوتا” وكانت ثيابه ملطخة بالدماء، وطلب منه خلع كنزته وإعطاءه إياها، زاعماً أن الدماء تعود إلى عراك مع أحد الشبان.
في المقابل، كرّر “حيدر.ع” اعترافه الأولي بإقدامه مع “علي.ح” على سرقة عمته، لكنه ادعى أنه رافقه إلى منزلها على أساس عدم وجود أحد فيها، وأنه حاول نزع سلاسل الذهب التي كانت ترتديها ولم يعرف كيفية نحرها.
وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة، وفق الحكم، حركة السيارة المستخدمة في الوصول إلى محيط منزل المغدورة ومغادرته. وأمام المحكمة، أقر المتهمان بقتل “نمرة.ع”، إلا أنهما نفيا أن يكونا قد خططا مسبقاً لقتلها، وأفادا بأن التخطيط كان للسرقة.
الحكم
إلا أن محكمة جنايات جبل لبنان برئاسة القاضية زلفا الحسن، خلصت، بالاستناد إلى مجمل الأدلة، إلى أن المتهمين خطّطا لارتكاب الجريمة بهدف سرقة عمّة “حيدر”، ثم نفّذا مخططهما بقتلها وسرقتها بشراسة ووحشية، وقضت بتجريمهما بجناية المادة 549، الفقرة الأولى والبندين 2 و4 من قانون العقوبات، وإنزال عقوبة الإعدام بهما، كما جرّمتهما بجناية المادتين 639 و640 من قانون العقوبات، وإنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بهما، على أن تُنفّذ بحقهما العقوبة الأشد، وهي الإعدام. كما ألزمتهما بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ 100 ألف دولار أميركي للجهة المتضررة.

