دخلت التهديدات الإسرائيلية للبنان مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال تل أبيب من التلويح بتوسيع عملياتها العسكرية، إلى التهديد باحتلال مناطق إضافية وتهجير مئات آلاف اللبنانيين، في تصعيدٍ غير مسبوق يضع البلاد أمام احتمالات مفتوحة على مواجهة مدمّرة. ولم تكن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجرد تهديد عسكري عابر، بل حملت رسائل واضحة بأن إسرائيل ماضية في فرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، وأن أي انخراط لـ “حزب الله” في مواجهة إلى جانب إيران، سيُقابَل بحربٍ واسعة، قد تتجاوز في حجمها وتداعياتها كل ما شهده لبنان سابقًا.
لوّح كاتس بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون شخص، وصولًا إلى خط الأولي والزهراني، وهدّد بضم النبطية ومناطق إضافية في الجنوب، إلى ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية الدائمة”، مؤكدًا أن قواته لن تنسحب من المناطق التي تحتلها في لبنان وسوريا. مواقفٌ تثير تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت إسرائيل قد انتقلت من سياسة الردع إلى تكريس احتلال طويل الأمد، ومدى استعداد لبنان لتحمّل تداعيات أي مواجهة عسكرية جديدة.
وفي قراءة لهذه التهديدات، يعتبر الخبير العسكري العميد جورج نادر، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن المواقف الإسرائيلية ليست مجرد تهويل سياسي، بل تعبّر عن توجّه جدي لفرض منطقة أمنية دائمة داخل الأراضي اللبنانية، وربط الانسحاب منها بنزع سلاح “حزب الله” بالكامل.
ويؤكد نادر أن التهديد الإسرائيلي بعدم الانسحاب من المنطقة الأمنية “إلا بعد نزع سلاح حزب الله” هو تهديد جدي، أعلنه المسؤولون السياسيون والعسكريون الإسرائيليون بوضوح، مشددًا على أن “إسرائيل لن تنسحب قبل تحقيق هذا الشرط”.
من الردع إلى الاحتلال الدائم
انتقلت الاستراتيجية الإسرائيلية من سياسة الردع إلى محاولة فرض واقع عسكري وأمني دائم، وهنا يوضح نادر أن “إسرائيل تعمل على إقامة منطقة عسكرية تعتبرها آمنة، بما يسمح لها بإبعاد التهديدات عن مستوطناتها الشمالية”، مشيراً إلى أن “لهذا التوجه أبعادًا سياسية ونفسية داخل إسرائيل، إذ تسعى الحكومة إلى إقناع مواطنيها بأنها قادرة على تأمين الاستقرار وحماية سكان الشمال، من خلال الاحتفاظ بمواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.”
يلفت الخبير العسكري إلى أن “هذه المسألة ستكون ورقة مهمة في الانتخابات الإسرائيلية، وقد تمنح نتنياهو دفعًا سياسيًا، سواء فاز في الانتخابات أم لم يفز”، كما تعزز صورة الجيش الإسرائيلي أمام الرأي العام، بوصفه جيشًا استطاع احتلال مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية وفرض منطقة أمنية يعتبرها مستقرة.
لا يرى نادر أن الألغام المزروعة في المناطق المحتلة، تشكل عائقًا حاسمًا أمام تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي، معتبرًا أن غياب عناصر “حزب الله” عن هذه المناطق يحدّ من تأثيرها في القوات الإسرائيلية. ويستدل على ذلك بعدم تسجيل رد عسكري من الحزب على احتلال مواقع إضافية، كان آخرها قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر.
إذاً، إسرائيل جادة في فرض المنطقة الأمنية، و”لن يكون الانسحاب منها مطروحًا إلا بعد نزع سلاح حزب الله”، وعندها فقط يمكن الانتقال إلى التفاوض بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المحتلة، وفق جداول زمنية محددة، كما قال نادر، مشيراً الى أن المفاوضات، إذا حصلت، ستكون شاقة ومعقدة، لأن “الطرف المنتصر هو الذي يفرض شروطه”.
الحزب سيُساند إيران؟
وفيما يتعلق باحتمال انخراط “حزب الله” في مواجهة جديدة إذا تعرضت إيران لهجوم أميركي، يُرجّح نادر “أن يسارع الحزب إلى مساندة طهران، لكنه يأمل في أن يتعقّل ويبقى على الحياد، كي لا يُدخل لبنان في حرب ثالثة ستكون أكثر تدميرًا من الحربين السابقتين”.
ويحذّر أيضاً من أن مشاركة الحزب في أي مواجهة إقليمية، قد تدفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها العسكرية لتشمل المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني وجنوبه، من دون أن تنحصر في جبهة جغرافية محددة.
ويربط نادر احتمالات التصعيد بالاستحقاقات الانتخابية الأميركية والإسرائيلية، معتبرًا أن الضغوط المفروضة على إسرائيل قد تتراجع بعد انتهاء هذه الانتخابات، ما يمنحها هامشًا أوسع لتصعيد عملياتها العسكرية في لبنان. ويقول إن “التجارب السابقة أظهرت أن العمليات الإسرائيلية لا تقتصر على الأهداف العسكرية، بل تطال أهدافًا مدنية واقتصادية وإدارية وسياسية، وحتى منشآت طبية”، محذرًا من التداعيات الإنسانية والاقتصادية لأي مواجهة جديدة.
الحرب الأخيرة
لا يستبعد نادر أن تلجأ إسرائيل إلى تصعيد عسكري غير مسبوق، انطلاقًا من قناعة لدى قيادتها بأن أي حرب مقبلة مع “حزب الله” يجب أن تكون حاسمة وأخيرة، وأن تنهي بصورة نهائية التهديدات التي تعتبرها إسرائيل قائمة على حدودها الشمالية.
ويوضح أن “إسرائيل لم تعد مستعدة لتحمّل وجود أي خطر على شمالها، سواء كان مصدره حزب الله أو أي جهة أخرى”، معتبرًا أنها تتجه نحو الحسم العسكري بكل الوسائل المتاحة.
ويختم نادر بتحذير من خطورة المرحلة المقبلة، قائلًا: “إذا قرّر حزب الله المشاركة في الحرب لمساندة إيران، وأتمنى ألّا يفعل، فسنكون أمام مشكلة كبيرة جدًا على الأرض، والله وحده يعلم إلى أين ستصل الأمور”.

