من شبكات الاتجار بالبشر في أميركا اللاتينية وأفريقيا، إلى شركات الواجهة والجمعيات الخيرية في أوروبا، وصولاً إلى تحويل الأموال نحو بيروت، كشف تقرير إسرائيلي عن اتهامات جديدة لحزب الله بإدارة منظومة مالية عابرة للحدود، تستفيد من الثغرات القانونية الأوروبية لتمويل أنشطته والالتفاف على العقوبات الدولية.
وبحسب تقرير أعدّته الصحافية دانييل غرايمان-كينارد في صحيفة “جيروزاليم بوست”، استناداً إلى تحليل جديد صادر عن مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية (JCFA)، فإن التمييز الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي بين الجناحين السياسي والعسكري لحزب الله أتاح، وفق التحليل، للحزب هامشاً واسعاً لجمع الأموال وتبييض عائدات أنشطة إجرامية، بينها الاتجار بالبشر.
وتقول الباحثة البارزة في المركز، إيلا روزنبرغ، وهي أيضاً عضو في منتدى “دفورا”، إن عدم تصنيف الجناح السياسي لحزب الله تنظيماً إرهابياً في أوروبا سمح له بالتحرك بحرية أكبر في مجال جمع التمويل، مشيرة إلى أن عائدات الاتجار بالبشر في أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط تُغسل، بحسب تحليلها، عبر شركات واجهة وجمعيات خيرية وشبكات تجارية داخل أوروبا.
ويشير التقرير إلى أن حزب الله، رغم حصوله على قسم كبير من أسلحته وموارده من إيران، يعتمد أيضاً على شبكات إجرامية لتأمين التمويل، بينها شبكات يُشتبه في تورطها بالاتجار بالبشر.
وفي لبنان، تستحضر روزنبرغ القانون الرقم 164 الصادر عام 2011، الذي يجرّم الاتجار بالبشر، معتبرة أن تطبيقه تعرّض مراراً للتقويض بفعل الفساد داخل مؤسسات الدولة ونفوذ حزب الله.
وتستند الباحثة إلى تقارير تعود إلى عام 2016، تحدثت عن شبكات دعارة واستغلال جنسي يُزعم أنها عملت بالتعاون مع مسؤولين مرتبطين بالحزب.
ووفق هذه المزاعم، وفّر حزب الله الحماية لبعض تلك الشبكات، مستخدماً نفوذه لمنع الأجهزة الأمنية من التدخل في أنشطتها غير المشروعة، مقابل الحصول على حصة غير محددة من الأرباح.
وتضيف روزنبرغ أن الأموال الناتجة من بدل الحماية الذي كانت تدفعه شبكات الاستغلال الجنسي وُجّهت، بحسب التقارير التي استندت إليها، إلى برامج الرعاية الاجتماعية التابعة للحزب، وإلى تغطية نفقات معيشة عائلات عناصر قُتلوا خلال العمليات العسكرية.
ولا تتوقف الاتهامات عند لبنان، إذ يتحدث التحليل عن تورط مراكز لوجستية مرتبطة بحزب الله في شبكات الاتجار بالبشر خارج البلاد، ولا سيما في أميركا اللاتينية.
وفي الأرجنتين والبرازيل والباراغواي، يُزعم أن أفراداً من عصابات المخدرات قدّموا الدعم لعناصر مرتبطة بالحزب، فيما جرى استغلال ضحايا عالقين في دوامة الديون وإجبارهم على العمل القسري أو ممارسة أنشطة غير قانونية لتسديد رسوم انتقال باهظة فرضها وسطاء يُشتبه في ارتباطهم بحزب الله.
كما يشير التقرير إلى معلومات عن تعاون مع عصابات مخدرات عنيفة، بينها كارتل “لوس زيتاس”، بما يدرّ عائدات مالية كبيرة يُعتقد أنها تخضع لاحقاً لعمليات تبييض عبر آليات قائمة على التجارة.
أما في غرب أفريقيا ووسطها، فتقول روزنبرغ إن حزب الله يمتلك “بصمة مالية عميقة”، متهمة عناصر مرتبطة به باستغلال أفراد من الجاليات اللبنانية المقيمة هناك، إضافة إلى السكان المحليين.
وتتحدث أيضاً عن ضلوع مزعوم للحزب في الاتجار غير المشروع بالألماس المعروف بـ”ألماس الدم” والمخدرات، فضلاً عن تنظيم عمليات تهريب أموال نقدية بكميات كبيرة، واستخدام صفقات عقارية وتجارية مرتبطة بالسيارات لإجراء تحويلات يصعب تعقّبها.
ووفق التحليل، تسمح هذه الأساليب بنقل الأموال إلى بيروت مع الالتفاف على العقوبات والقيود المالية المفروضة على الحزب.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية إضافية في ظل الجدل المتصاعد حول مصادر تمويل حزب الله، عقب تقارير تحدثت عن حصوله على 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين والمتضررين من الحرب مع إسرائيل.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد نفت صحة التقرير الأولي بشأن هذه الأموال، واعتبرته مفبركاً، فيما أعلن حزب الله، بعد أيام من تقرير لوكالة “رويترز” عن التحويلات المزعومة، تقديم مساعدات مالية تصل إلى 14 ألف دولار للعائلات النازحة.
وأثار هذا الإعلان تساؤلات داخل لبنان بشأن مصادر الأموال والآليات المستخدمة لإدخالها وتوزيعها.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن النائب فؤاد مخزومي قوله إن هناك “أسئلة جدية حول مصادر هذه الأموال، وكيفية إدخالها إلى لبنان، وكيفية نقلها وتوزيعها خارج الأطر المالية الرسمية”.
وشدّد مخزومي على أن “مساعدة أهلنا المتضررين واجب وطني، لكن معاناتهم لا يمكن أن تكون غطاءً لأنظمة مالية موازية أو ذريعة للالتفاف على القوانين اللبنانية”.
وأضاف: “لا سيادة لدولة لا تحتكر السلاح ولا تفرض سلطتها على حركة الأموال. ولا يمكن أن نقبل بدولة داخل الدولة، لا عسكرياً ولا مالياً. لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وسلاح شرعي واحد، وقانون يُطبّق على الجميع من دون استثناء”.
وبذلك، يضع التحليل الإسرائيلي ملف تمويل حزب الله في إطار يتجاوز المساعدات الإيرانية المباشرة، ليركّز على اتهامات بوجود شبكات مالية وإجرامية دولية يُشتبه في استخدامها لنقل الأموال إلى لبنان، مستفيداً، وفق الباحثة، من التمييز القانوني الأوروبي بين جناحي الحزب، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مصادر الأموال التي تدخل البلاد وآليات الرقابة عليها.

