ليس ما جرى في ضهر البيدر حادثاً أمنياً معزولاً، ولا يبدو أن توقيته منفصل عن سلسلة تطورات شهدتها الحدود اللبنانية السورية خلال الأيام الماضية. فبين العملية الأمنية التي أطلقتها دمشق على حدودها مع لبنان والعراق، والاستنفار العسكري اللبناني المواكب، والاستهداف الإسرائيلي في حوش السيد علي، وصولاً إلى ضبط الشاحنة وما أعقبه من تسريبات قضائية وإعلامية، تتشكّل صورة تستدعي قراءة تتجاوز الرواية المتداولة عن “شاحنة متفجرات”.
السؤال هنا لا يتصل فقط بهوية الجهة التي كانت تنقل المواد المضبوطة، بل أيضاً بمن يريد توظيف القضية، ولمصلحة أي أهداف سياسية وأمنية.
قبل أيام، بدأ الجيش السوري عملية أمنية غير معلنة على الحدود مع العراق ولبنان، تحت عنوان ملاحقة المهرّبين وقطع خطوط التهريب. غير أن المعطيات المحيطة بها توحي بأن أهدافها تتجاوز مكافحة التهريب بمعناه الاقتصادي، لتلامس التزامات أمنية وسياسية يُعتقد أن دمشق قطعتها في سياق علاقاتها مع واشنطن، وربما في محاولة للتعويض عن عدم التزامها سابقاً بتوفير الظروف الملائمة لتدخل عسكري في لبنان، وفي مقدّم هذه الالتزامات تضييق مسارات الإمداد المفترضة لحزب الله.
وتزامن ذلك مع تعمّد دمشق تسريب معطيات عن ضبط شحنات أسلحة كانت في طريقها إلى لبنان، وهي روايات نفاها الحزب.
وكانت دمشق قد واجهت حرجاً متزايداً نتيجة تداول معطيات أمنية، أميركية المصدر على وجه الخصوص، تتحدّث عن ارتفاع أنشطة التهريب عبر الأراضي السورية، وعن نجاح حزب الله في التكيّف مع التحولات التي شهدتها سوريا، وإعادة تنشيط بعض خطوط التسليح.
العملية السورية الأخيرة، التي تجري بعيداً عن الضجيج الإعلامي، يُرجّح أنها تستند إلى معطيات أمنية قُدّمت إلى دمشق، وربما من الجانب الأميركي تحديداً. والأهم أنها لا تبدو منفصلة عمّا يجري على الجانب اللبناني من الحدود.
فبالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية سورية إلى المناطق الحدودية، سُجّلت تحركات لقطعات من الجيش اللبناني باتجاه مناطق مقابلة. وتردّد أن المؤسسة العسكرية رفعت مستوى انتشارها وتدقيقها الأمني على ضوء التطورات الجارية. كذلك، تحدّث شهود عن رصد تحليق مسيّرات تابعة للجيش فوق بعض المناطق الحدودية.
ولم تقتصر الإجراءات اللبنانية على الشريط الحدودي، بل شملت أيضاً رفع مستوى الاستنفار عند نقاط عسكرية تربط البقاع بالعاصمة بيروت وجبل لبنان، وتشديد التدقيق في السيارات العابرة. وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت بعض هذه الإجراءات بناءً على توصيات سياسية، بالتوازي مع عمليات البحث الجارية داخل الأراضي السورية.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مسار متصاعد من الإجراءات الهادفة إلى تضييق حركة الإمداد باتجاه حزب الله، ضمن سياق أوسع من الضغوط الأمنية والمالية، ولا سيما بعد المعلومات التي سُرّبت أخيراً عن وصول أموال إليه من إيران، وما أعقبها من نفي ونشاط أميركي إعلامي ملحوظ عبر وسائل إعلام مختلفة.
هنا تحديداً، يمكن وضع قضية ضهر البيدر في سياقها.
فبعد أيام من التحركات الحدودية، خرجت تسريبات تتحدّث عن ضبط الجيش اللبناني شاحنة محمّلة بمواد وُصفت بأنها «متفجّرة»، مع رواية عن رصد أشخاص قادمين من جهة سوريا، لاذوا بالفرار لحظة اكتشاف أمرهم، بعدما عمدوا إلى ركن الشاحنة في مكان محدّد عند الحدود، تمهيداً لتسلّمها من جانب آخرين.
واللافت أن المعلومات الأولى، بحسب المعطيات المتوافرة، لم تصدر عن الجيش أو الأجهزة الأمنية المعنية، بل جرى تداولها نقلاً عن مصادر أمنية، يتبيّن، وفق المعلومات، أنها أقرب إلى مصادر قضائية يُشتبه في تعمّدها التسريب.
لكن قبل البحث في هوية أصحاب الشاحنة أو وجهتها، ثمة مسألة أساسية تستوجب التوقف عندها: طبيعة المواد المضبوطة. فالتوصيف الإعلامي الذي طغى على القضية، من قبيل «مواد متفجرة» و«متفجرات» و«كرات حديدية»، لا يكفي وحده لتحديد طبيعة الحمولة أو الغرض منها.
والحديث، وفق المعطيات المتداولة، يفترض أن يكون عن مواد يمكن أن تدخل في التصنيع العسكري، وهو توصيف يختلف عن الحديث عن عبوات جاهزة للتفجير. أما تحديد ما إذا كانت المواد المضبوطة متفجرة بطبيعتها، أو مجرد مكوّنات قابلة للاستخدام في التصنيع، فيبقى رهناً بنتائج الفحوص الفنية. وبالتالي، فإن الإصرار على استخدام مصطلح «متفجرات» بمعزل عن هذه النتائج يثير التساؤل عمّا إذا كان التوصيف سياسياً أكثر منه أمنياً.
ثم إن التعامل مع ضبط الشاحنة بوصفه اكتشافاً وقع بمحض الصدفة، يتجاهل حالة التأهّب الأمني القائمة عند الحدود، ويضفي على القضية طابعاً استثنائياً قد لا يتناسب مع ظروف اكتشافها.
ويبدو أن في ذلك محاولة لتبييض إرث الماضي، لا أكثر. فالجميع يعلم أن المقاومة كانت تستخدم هذه المسارات بعلم السلطات، وثمة اتهامات بأن بعض الموجودين في السلطة اليوم سبق أن وفّروا الغطاء لهذه الحركة، سعياً إلى مكاسب سياسية ومقابل أثمان حصلوا عليها.
غير أن ما أعقب الضبط قد يكون أكثر إثارة للريبة من الضبط نفسه. فمنذ الساعات الأولى، بدأت روايات تتداول مسؤولية حزب الله عن الشاحنة، رغم أن الحزب التزم الصمت ولم يصدر عنه أي تعليق. وتزامن ذلك، وفق المعلومات، مع إغفال تفاصيل تتعلق بأحد الموقوفين، الذي يُشار إلى أن له سوابق أو نشاطاً جرمياً، ما زاد الالتباس حول حقيقة القضية والأطراف المرتبطة بها.
وإذا صحّت المعلومات عن دور مصادر قضائية رفيعة في توزيع هذه الروايات على صحافيين معروفين بمواقفهم المعادية للحزب، فإننا نكون أمام مشكلة تتجاوز حدود التسريب الصحافي، لتصل إلى طريقة إدارة التحقيقات واستثمارها في الصراع السياسي، وربما المساهمة في خلق مناخات مواجهة داخلية.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال مع ذهاب بعض مروّجي التسريبات إلى استخدام طبيعة «الحمولة» دليلاً على التحضير لتنفيذ اغتيالات، من دون تقديم أدلة تثبت هذا الاستنتاج. وهنا يصبح التساؤل مشروعاً حول ما إذا كانت بعض المصادر القضائية تسهم، في صناعة مناخ عدائي ضد جماعة سياسية وطائفية، بدلاً من الاكتفاء بدورها المفترض في حماية التحقيقات.
كان يمكن إبقاء الملف في عهدة المؤسسات المختصة إلى حين استكمال التحقيقات وتحديد الوقائع. أما إغراق الإعلام بروايات متضاربة، وإقحام فرضيات أمنية كبرى في قضية لم تتضح جميع ملابساتها، فيثير الشكوك حول وجود محاولة لتوجيه الرأي العام نحو استنتاج محدّد، قبل أن يقول التحقيق كلمته.
والسؤال الذي ينبغي طرحه، في بلد يعاني انكشافاً أمنياً واسعاً ويواجه اعتداءات إسرائيلية مستمرة، هو الآتي: ألا يفتح الاتهام المسبق الباب أمام طرف ثالث لاستغلال هذا المناخ، وتنفيذ عمل أمني تُوجَّه مسؤوليته لاحقاً إلى جهة جرى إعداد الرأي العام سلفاً لاتهامها؟
عملياً، لا يمكن استبعاد فرضية أن تكون المواد المضبوطة مرتبطة بحزب الله. لكن احتمال الارتباط بالحزب شيء، والجزم بأنها مخصّصة لعمليات اغتيال أو أعمال أمنية داخل لبنان شيء آخر تماماً. فحتى لو ثبتت الجهة التي كانت تنقلها، يبقى تحديد الغرض منها مسألة ضرورية.
وثمة من يربط احتمال نقل هذه المواد باستعدادات الحزب لمواجهة طويلة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. ويستند في ذلك الى قراءات إسرائيلية سابقة، من بينها ما نُقل عن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، بشأن احتمال اعتماد الحزب، خلال الشتاء المقبل، أنماطاً مختلفة من المواجهة، من بينها تكثيف استخدام العبوات الناسفة.
وفي ضوء هذه التقديرات، يمكن فهم ارتفاع مستوى التدقيق الأمني عند الحدود السورية وفي الداخل اللبناني، كما يفتح ذلك المجال للتساؤل عن خلفيات الاستهداف الإسرائيلي الفاشل في حوش السيد علي، عند نقطة قريبة من الحدود السورية ومعروفة بنشاط التهريب، وما إذا كان يندرج ضمن مسعى لاعتراض مسارات إمداد يُشتبه في استخدامها لنقل مواد تدخل في التصنيع العسكري.
وبصرف النظر عن هوية الشخص المستهدف، فإن مكان العملية وتوقيتها يطرحان تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل قد بدأت توسيع نطاق استهدافاتها لتشمل مسارات الإمداد المفترضة، وليس فقط المواقع والأشخاص داخل مناطق عملياتها المعتادة.
ومن حوش السيد علي إلى ضهر البيدر، تتوالى أحداث قد تكون مترابطة في سياق أمني واحد، وإن كان إثبات هذا الترابط يحتاج إلى معلومات تتجاوز مجرد التزامن الزمني والجغرافي.
ومع ذلك، فإن بعض الخطاب الإعلامي في الداخل اختار القفز فوق هذه الاحتمالات، وحصر القضية في اتهام حزب الله بالتحضير لأعمال أمنية واغتيالات. وهنا تكمن خطورة التوظيف السياسي: إذ يجري نقل النقاش من مسألة الإمداد العسكري المحتمل في مواجهة إسرائيل، إلى تصوير الحزب على أنه يعدّ لاستهداف الداخل اللبناني.
ومن شأن هذا الخطاب، إذا استمر من دون أدلة، أن يساهم في تأجيج التوتر الداخلي، وأن يخدم، ولو بصورة غير مباشرة، أهدافاً إسرائيلية قائمة على نقل الاشتباك إلى الداخل.
لكن الأخطر من كل ذلك يتصل بما نُسب إلى الموقوفين في القضية من اعترافات.
فالمعلومات التي جرى ترويجها عن إقرارهم بالانتماء إلى حزب الله، أو تسمية مسؤولين فيه كلّفوهم بنقل الشاحنة وركنها في مكان محدّد، تقابلها معطيات تنفي دقتها. وبحسب مصادر أمنية، فإن بعض الروايات المنشورة لا تعكس مضمون الإفادات الفعلية، ولا تتوافر، وفق هذه المصادر، إفادات موثّقة تثبت ما نُشر عن تكليف مباشر من مسؤولين حزبيين.
وإذا تأكّد هذا التضارب، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف على تفسير واقعة أمنية، بل تصبح مسألة تمسّ صدقية التسريبات المنسوبة إلى التحقيق القضائي، ومدى التزام المؤتمنين عليه بسرّيته ودقته.
وهنا لا بد من طرح السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام تسريبات عشوائية ناتجة من تنافس إعلامي على المعلومات، أم أمام عملية منظّمة لتوجيه التحقيق إعلامياً، وصناعة رواية سياسية تسبق نتائجه؟
إن إثبات تعمّد تسريب معلومات غير صحيحة من داخل المؤسسات القضائية، إن حصل، من شأنه أن يشكّل فضيحة تستوجب المساءلة. فليس من وظيفة القضاء أن يتحوّل إلى مصدر لتغذية الحملات الإعلامية، ولا أن يسمح باستبدال الوقائع المثبتة بروايات تُصاغ وتُوزّع وفق حسابات سياسية.
والأخطر أن تتحوّل هذه الروايات، بفعل التكرار والكثافة الإعلامية، إلى ما يشبه الحقائق الثابتة في أذهان الناس، ثم يُعاد استخدامها لاحقاً بوصفها أدلة على اتهامات.

