في لحظة سياسية فارقة تشهدها الساحة اللبنانية، تتداعى القواعد التقليدية للعبة السياسية، وتتساقط الخطابات القديمة أمام واقع جديد يفرض نفسه بقوة.
هذا التحوّل بات موضع نقاش داخل أروقة القرار الشيعي الحريص على بناء الدولة. فبحسب معلومات حصل عليها “ليبانون ديبايت” من مصادر خاصة مطّلعة على كواليس المشهد السياسي والتشريعي، ثمة قراءة نقدية تؤكد أن “خطاب ما قبل عام 2024 لم يعد صالحاً للخدمة، وهناك مرحلة جديدة بات من الضروري التصالح مع فكرة وجودها والتكيّف مع معطياتها بدل المكابرة”.
ومن هذه القراءة، تنطلق المصادر للتأكيد أن الطائفة الشيعية في لبنان، بما تمثله من ركيزة بنيوية ومؤسِّسة لهذا الكيان، “لا ملاذ لها اليوم ولا حماية مستدامة إلا بالانضمام الصريح والكامل إلى كنف الدولة الرسمية ومؤسساتها الشرعية”.
والمقصود بهذا الانضمام، وفق المصادر، ليس الطاعة المطلقة أو إلغاء الخصوصية والتنازل عن الحقوق المكرّسة، بل العمل التفاعلي تحت سقف الدستور والقانون والشرعية التي تحمي جميع المكونات.
وعلى هذه القاعدة، يُطرح السؤال عن خطاب حزب الله تجاه الحكومة: ما جدوى التصعيد المفتوح ضدها، وتخوين رئاستها واتهامها بالتآمر والعمالة، وتحريض الشارع عليها، إذا كان هذا التصعيد لا يُترجم موقفاً حاسماً عند المحك العملي؟
وتنقل المصادر الخاصة أن سلوك الحزب يُظهره وكأنه “يريد إسقاط الحكومة ولا يريد إسقاطها في الوقت نفسه؛ فحين يفتحون النار اليومية عليها، ثم تأتي جلسة مجلس النواب المخصصة لتجديد الثقة أو طرح سحبها، نرى كتلة الوفاء للمقاومة تنسحب من القاعة!”.
وتضيف: “فلا هم منحوا الثقة لتثبيت الاستقرار، ولا هم حجبوها لإسقاط الحكومة وتفعيل البديل، ليبقى الموقف في منطقة رمادية عاجزة، تشبه حال من يريد المصاهرة دون زواج!”.
ولا ينفصل هذا التناقض عن تقييم أداء رئيس الحكومة نواف سلام. إذ يلفت مراقبون إلى أن الاختلاف مع بعض سياساته لا يلغي، في نظرهم، نزاهته الإدارية وحضوره الميداني.
فرغم الملاحظات، يشير هؤلاء إلى أن سلام لا يملك ملفات فساد إداري أو نهب للأموال العامة، بخلاف تجارب سابقة شهدتها السراي. ويعتبرون أنه سجّل حضوراً ميدانياً تاريخياً، بوصفه أكثر رؤساء الحكومة زيارةً للجنوب اللبناني ووقوفاً على احتياجات أهله منذ تأسيس الجمهورية.
لكن النقاش لا يتوقف عند أداء سلام، بل يمتد إلى ما بعده: فإذا كان “لبنان المقاوم” هو الأولوية، فما البديل القابل للتطبيق في ظل المشهد الدولي والإقليمي القائم؟
وهل يملك الحزب القدرة على تشكيل حكومة إنقاذية تحضن جميع مكونات البلد، بعدما أدى الخطاب التعسفي والعنجهية المترسّبة واللغة الخشبية المتسلطة والمستقوية إلى “تهشيل” الحلفاء قبل الخصوم؟
أما إذا كانت الأولوية هي “شيعة لبنان” وحماية حقوقهم، فإن السؤال يصبح أكثر تحديداً: هل يضمن الحزب الحفاظ على المكاسب الميثاقية المكتسبة على مدى 40 عاماً، وأبرزها فرض الإمضاء الشيعي على المرسوم التأسيسي عبر “وزارة المالية”؟
فبحسب تقدير المصادر، إذا أُسقطت الحكومة اليوم، فلن تسمح التوازنات الشائكة بتسمية وزير مالية يسمّيه الثنائي صراحةً، بل قد ينتهي المطاف بفرض شخصيات تكنوقراطية مستقلة تشبه فادي مكي أو غيره.
وهذا الاحتمال يعيد النقاش إلى أصل الأزمة: ترتيب سلّم الأولويات لدى قيادة حزب الله. فالمصادر ترى أن التصعيد، في ظل غياب بديل مضمون، لا يخدم حماية خيار المقاومة اللبنانية ولا صون المكتسبات السياسية لشيعة لبنان وبقائهم في دولتهم.
ومن هنا، تذهب إلى أن الأولوية باتت للشيعية العابرة للحدود بمفهومها الأيديولوجي الشامل؛ فتارة تكون لشيعة العراق، وتارة للفرس، وربما قريباً لشيعة الزيدية في اليمن.
وفي هذه القراءة، يبقى لبنان، كمفهوم وكيان، ومكوّنه الأساسي المتمثل بشيعة لبنان وحاضنتهم الوطنية، خارج سلّم الأولويات، فيما تستمر معركة إسقاط الحكومة من دون جواب واضح عمّا سيأتي بعدها.

