لم يكن وزراء القوات اللبنانية وحدهم، من إقترح إلغاء الرسوم على صفيحة البنزين للتخفيف العبء عن المواطنين، بعد إرتفاع أسعار النفط عالميا وإنعكاسه على الوضع المعيشي في لبنان، بل سبق للهيئات الإقتصادية أن طرحته خلال المفاوضات التي جرت بينها وبين الحكومة والاتحاد العمالي العام، خلال تلويح السائقين العموميين بالإضراب. الهيئات الاقتصادية حينها إقترحت تجميد الرسوم حتى نهاية العام مع زيادة ساعات التغذية لكهرباء لبنان، وبعد تعليق الاضراب عاد هذا الإقتراح إلى طاولة مجلس الوزراء عبر وزير الطاقة والمياه جو الصدي الذي طرح إلغاء الرسم أو تعليقه، فيما برز داخل الحكومة سؤال أساسي: إذا أُلغي الرسم، من يعوّض الخزينة عن الإيرادات التي ستخسرها؟
فالرسم الذي أُقر في شباط 2026 بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين سعة 20 ليتراً، جاء في سياق تأمين إيرادات لتمويل زيادات وتعويضات في القطاع العام، ومنذ منتصف أيلول الماضي بلغ سعر صفيحة البنزين أوكتان 95 نحو 2.837 مليون ليرة وفق التسعيرة الرسمية، وبالتالي فإن إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة يعني، حسابياً، خفض سعر الصفيحة بنحو 10.6 بالمئة وفق هذا السعر.
وقد يشكل هذا الانخفاض متنفساً للمواطنين، لكن الإلغاء لن يعني نهاية مشكلة المحروقات، لأن سعر البنزين لا يتحدد بالرسم وحده، بل يتأثر أيضاً بسعر النفط عالمياً، وكلفة الاستيراد، وسعر الصرف، والرسوم والضرائب الأخرى.
المشكلة الأساسية بالنسبة للدولة ليست فقط في خفض سعر البنزين، وإنما في الإيرادات التي ستفقدها الخزينة.
من أين يمكن تأمين الإيرادات البديلة؟أمام الحكومة مجموعة خيارات، وإن كانت لكل منها كلفتها وصعوباتها.
أولاً: تحسين الجباية وهذا الخيار يحتاج إلى إصلاحات إدارية ورقابية وإلى قدرة فعلية على التحصيل.
ثانياً: مكافحة التهرب والتهريب
ثالثاً: تحصيل المتأخرات والرسوم المستحقة، لكن هذه الإجراءات لا تؤمن بالضرورة إيرادات فورية وبالحجم نفسه الذي يؤمنه رسم المحروقات.
الحل الأبعد: النقل العام
تبقى مشكلة المحروقات في لبنان مرتبطة أيضاً بغياب نظام نقل عام فعال. فكلما ازداد اعتماد المواطن على السيارة الخاصة، أصبح أكثر تعرضاً لتقلبات أسعار البنزين والديزل.
ومن هنا، فإن معالجة كلفة النقل على المدى الطويل تحتاج إلى سياسة نقل متكاملة تشمل تطوير النقل العام والمشترك وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة.
في المحصلة، فإن إلغاء رسم الـ300 ألف ليرة قد يخفف العبء المباشر عن المواطن ويخفض سعر صفيحة البنزين بنحو 10.6 بالمئة وفق السعر الحالي، لكنه لا يحل أزمة المحروقات ولا أزمة النقل، كما أنه يطرح تحدياً أمام المالية العامة.أما الإبقاء عليه فيعني استمرار مورد للخزينة، لكنه يبقي في المقابل كلفة إضافية على المستهلك ويزيد أعباء النقل.
لذلك، فإن جوهر النقاش لا يجب أن يكون فقط حول إلغاء الرسم أو الإبقاء عليه، بل حول السياسة المالية التي ستعتمدها الدولة في حال الإلغاء.هل ستعوض الإيرادات من خلال تحسين الجباية؟ أم ستفرض رسوماً أخرى؟ أم تتحمل الخزينة الكلفة؟ وهل يمكن الانتقال من تحميل الاستهلاك عبء تمويل الخزينة إلى معالجة التهرب وتحسين إدارة الإيرادات؟

