كتب ايلي مكرزل في Jnewslebanon.com
ليس مطلوبًا من كل عمل مسرحي أن يخترع فكرة لم يسبق أن طُرحت، ولا أن يحمل على كتفيه همّ تغيير العالم. أحيانًا، تكفي ساعتان من الضحك الحقيقي كي يخرج المتفرج من الصالة أخفّ مما دخل إليها، وربما وهو يفكر أيضًا بما أضحكه. وهذا تحديدًا ما تنجح في تقديمه مسرحية الله يستر.
المسرحية من كتابة نيبال عرقجي وإخراج علي اتحاد، ويشارك في بطولتها لمى لوند، مايا يمين، ميليسا عزيز، محمد فوعاني، جويل منصور، وليد عرقجي ومحمد كمال، ضمن توليفة تمثيلية لعلّ أبرز نقاط قوتها الانسجام الواضح بين أفرادها.
تتناول الله يستر موضوعي الطائفية والعنصرية، وهما بالتأكيد ليسا جديدين على المسرح أو الدراما اللبنانية، بل من أكثر المواضيع التي عولجت على مدى سنوات. لكن المسرحية تعرف كيف تقترب منهما من زاوية خفيفة وقريبة من الناس، والأهم أنها تفعل ذلك من دون الوقوع في فخ الوعظ أو إعطاء الدروس.
لا خطابات ثقيلة ولا رسائل مباشرة تُفرض على الجمهور، بل مواقف مضحكة وشخصيات تشبه نماذج نلتقي بها في حياتنا اليومية. نضحك من القلب على واقع نعيشه ونعرفه جيدًا، وفي عزّ الضحك تصل الرسالة ببساطة ومن دون افتعال. وهذه ربما واحدة من أجمل ميزات العمل: أن يقول ما يريد قوله بأسلوب طريف ومحبّب، من دون أن يشعر المتلقي للحظة بأن أحدًا يحاول تلقينه موقفًا أو فكرة.
النص الذي كتبته نيبال عرقجي قريب من القلب والناس، وسهل على المتلقي. قد لا تكون الفكرة جديدة، لكن طريقة تقديمها جعلتها حيّة، خصوصًا أن الكوميديا لم تُبنَ على المبالغة أو الصراخ أو محاولة انتزاع الضحكة بأي ثمن. الضحكة هنا صادقة وعفوية، تأتي من الموقف ومن الشخصيات ومن واقع نعرفه جميعًا، وربما لهذا السبب تكون أكثر تأثيرًا.
أما الإخراج، فقد خدم النص بشكل واضح. علي اتحاد لم يحاول تحميل العمل أكثر مما يحتمل، بل حافظ على إيقاعه ومساحته الكوميدية، وترك للممثلين المجال كي يبنوا شخصياتهم ويتفاعلوا مع بعضهم بعضًا. وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أجمل نقاط العرض: الكيمياء الكبيرة بين أفراد فريق العمل. هناك شعور بأن الممثلين يستمتعون بما يقدمونه، وهذا الشعور ينتقل بسهولة إلى الجمهور.
وللمى لوند حضور محبّب جدًا على الخشبة. دورها جاء في مكانه تمامًا، وخفة ظلها كانت واضحة من دون استعراض أو مبالغة. تمتلك عفوية تجعل الشخصية قريبة من الجمهور، والأجمل هو تناغمها الكبير مع بقية فريق العمل، ما منح مشاهدها حيوية خاصة.
أما مايا يمين، فتؤكد مرة جديدة قدرتها على الإمساك بالشخصية وتفاصيلها، خصوصًا أنها تقدّم في الله يستر دورين مختلفين تمامًا. ولم تكتفِ بتغيير الشكل الخارجي للشخصيتين، بل غيّرت في أسلوبها وصوتها وأدائها وطريقة تعبيرها، حتى بدا لكل شخصية عالمها الخاص وحضورها المختلف، في أداء يستحق التوقف عنده.
ويكمل ميليسا عزيز، محمد فوعاني، جويل منصور، وليد عرقجي ومحمد كمال هذه الروح الجماعية التي يحتاج إليها أي عمل كوميدي. فالمسرحية لا تقوم على فرد واحد، بل على مجموعة تعرف كيف تتفاعل فوق الخشبة، وكيف تمنح بعضها المساحة اللازمة، وهذا تحديدًا ما جعل الكيمياء بين الممثلين عنصرًا أساسيًا في نجاح الكثير من المواقف.
الله يستر لا تكتشف الطائفية والعنصرية، ولا تدّعي أنها تقدم معالجة لم نرَ مثلها من قبل، لكنها تعرف كيف تتحدث عنهما من دون تنظير. تأخذ واقعًا نعيشه، تضعه أمامنا على الخشبة، تجعلنا نضحك عليه من القلب، ثم تترك الرسالة تصل وحدها.
وهنا تكمن خفة العمل وذكاؤه: أن نضحك على أمور قد لا تكون مضحكة في حياتنا اليومية، وأن نرى جزءًا من أنفسنا ومجتمعنا في الشخصيات والمواقف، من دون محاضرات ولا شعارات.
في النهاية، الله يستر مسرحية تشيل الهمّ عن القلب. نخرج منها وقد ضحكنا بصدق، لكننا نخرج أيضًا ومعنا فكرة وصلت من دون أن تُفرض علينا. وربما أجمل الرسائل هي تلك التي تصل فيما نحن نضحك، من دون أن نشعر أن أحدًا كان يحاول إيصالها.

