مع عودة خطف الطائرات وأمن الرحلات إلى واجهة الاهتمام، يُفتح مجدداً سجلّ عمليات تركت أثرها في تاريخ الطيران، بينها خطف رحلة “TWA 847” عام 1985، التي ارتبط اسم عماد مغنية باتهامات بالضلوع فيها. وبعد سنوات من المطاردة، انتهت حياة القائد العسكري في “حزب الله” بتفجير في دمشق، سبقه، وفق روايات إسرائيلية، اختراق بشري ومراقبة وصورة التُقطت له مع زوجته وابنه.
في 14 حزيران 1985، خُطفت الطائرة خلال رحلة من أثينا إلى روما، وامتدت أزمة الرهائن 17 يوماً، تنقلت خلالها بين بيروت والجزائر، وشهدت قتل العسكري الأميركي روبرت ستيثم. وأدرج مكتب التحقيقات الفيدرالي مغنية ضمن المطلوبين في الملف، فيما يسمّي سرده للعملية محمد علي حمادي وخاطفاً آخر بوصفهما منفّذَي الخطف على متنها.
من هذا الملف إلى اغتياله في دمشق، تتيح مقارنة روايات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت والمدير السابق للموساد يوسي كوهين والصحافي المتخصص بالاستخبارات يوسي ميلمان، تتبّع بعض مراحل الوصول إلى مغنية، مع بقاء تفاصيل مختلفة أو غير مثبتة بصورة مستقلة.
في كتابه “أريزونا كلّنا”، يقول أولمرت إن مغنية لم يخضع لعمليات تجميل لتغيير ملامحه، خلافاً لما أُشيع. وبحسب مراجعة ميلمان في موقع “العين السابعة” الإسرائيلي، كانت الاستخبارات تجهل شكله، قبل أن يصوّره عملاء الموساد لدى وصوله إلى دمشق برفقة زوجته وابنه. وتذكر الرواية أن ضابطتَي استخبارات اعتمدتا الصورة للتعرف إليه قبل التنفيذ.
ويروي أولمرت أيضاً أن مائير داغان اعتقل مغنية مطلع الثمانينيات، ثم أطلقه لاعتقاده أنه عنصر قليل الأهمية، قبل أن يصبح لاحقاً هدفاً لعملية مشتركة بين الموساد والاستخبارات الأميركية.
أما الوصول إلى المعلومات عن تحركاته، فيقدّم كوهين رواية منفصلة عن أحد مداخله. ففي قراءة نشرها الصحافي نظير مجلي في “الشرق الأوسط” لكتابه، يبرز لبناني يحمل الاسم المستعار “عبد الله”، كان قريباً من دوائر الحزب ويبحث عن فرصة اقتصادية في أميركا اللاتينية.
وبحسب كوهين، بدأ التواصل مطلع التسعينيات تحت غطاء رجل أعمال أرجنتيني يبحث عن شريك تجاري. وبعد بناء الثقة، عُرض على اللبناني جمع معلومات عن “حزب الله” مقابل المال؛ فرفض أولاً وقطع الاتصال، ثم عاد ووافق.
ويزعم كوهين أن المصدر جمع لاحقاً معلومات مهمة عن مغنية، لكنه لا يكشف هويته أو تفاصيل مساهمته المباشرة في الاغتيال. ولا تثبت هذه الرواية أنه المصدر نفسه الذي أتاح التقاط الصورة التي يتحدث عنها أولمرت.
وتضيف رواية ميلمان في كتابه “جواسيس غير مثاليين”، كما عرضها موقع “عرب 48″، تفاصيل عن مراقبة المكان. فهي تقول إن الموساد استأجر شقة في المبنى الذي كان مغنية يستخدم فيه شقة بدمشق، وزرع كاميرات لمراقبة المدخل ونقل الصور إلى غرفة العمليات.
وبحسب الرواية، ازدادت زيارات مغنية إلى دمشق بعد حرب تموز 2006، وتكثفت الاتصالات لتنسيق تحركاته، ما أتاح اعتراض بعض المكالمات وفك شيفرتها وتحديد لقاءاته مع المسؤول الأمني السوري محمد سليمان وقائد “فيلق القدس” الإيراني قاسم سليماني في كفرسوسة.
أما العبوة، فتقول الرواية إنها صُمّمت بمدى انفجار محدود، استجابةً للشروط الأميركية باستهداف مغنية وحده وعدم إصابة آخرين وتنفيذ العملية ليلاً. وبعد عشرات التجارب، نُقلت إلى دمشق، حيث استُخدمت سيارة “ميتسوبيشي باجيرو” لحملها.
وفي رواية أولمرت، زار سليمان وسليماني شقة مغنية قبل العملية، لكن شرط الرئيس الأميركي جورج بوش حال دون استهدافهما. ويقول إنه كان عائداً بالطائرة من لقاء المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ويعتقد أنه لو استطاع الاتصال ببوش مباشرة لأقنعه بتوسيع العملية.
ومن الطائرة تلقّى خبر مقتل مغنية. وفي مقابلة مع أميت سيغال، استعاد اقتراب سكرتيره العسكري منه ومصافحته لإبلاغه بنجاح العملية، بعدما تأكدت هوية المستهدف.
اغتيل مغنية في دمشق في 12 شباط 2008، وأقر أولمرت عام 2024 بمسؤولية إسرائيل. وبين ملف خطف “TWA” ولحظة التفجير، بقيت مطاردته محاطة بالغموض؛ وتكشف الشهادات المنشورة بعض حلقاتها، من دون أن تحسم جميع تفاصيلها أو تزيل الاختلافات بين روايات أصحابها.

