كتب إيلي مكرزل في Jnewslebanon.com
في المسرح، قد لا تكون الحكاية جديدة دائماً، لكن ما يصنع الفرق هو كيف تُروى، ومن يملك الجرأة على روايتها. وهذا تحديداً ما تحاول مسرحية درجة تانية أن تفعله: لا تدّعي اختراع موضوع لم نسمع به من قبل، بل تأخذ حكاية إنسانية مألوفة إلى مساحة أكثر قرباً وصدقاً.
ولعلّ الرهان الأكبر في العمل كان سمر صالح. فأن تقف على خشبة المسرح للمرة الأولى ليس تفصيلاً عابراً، لأن المسرح لا يمنح الممثل فرصة للاختباء خلف الكاميرا أو إعادة المشهد. كل شيء يحدث هنا والآن، أمام الجمهور مباشرة. ومع ذلك، دخلت صالح هذه التجربة بحضور لافت، وكأنها اختارت منذ اللحظة الأولى أن تواجه الخشبة بدل أن تخاف منها.
لكن جرأتها لم تتوقف عند خوض تجربة المسرح للمرة الأولى، بل ذهبت أبعد من ذلك حين حملت إلى الخشبة أجزاء من قصة حياتها وتجربتها الشخصية. أن تحكي عن نفسك أمام الناس، وأن تسمح للخاص بأن يصبح مادة فنية تُناقش أمام جمهور، يحتاج إلى نوع آخر من الشجاعة. وهنا تحديداً اكتسب حضورها بعداً إنسانياً، لأن المتفرج لا يتعامل فقط مع شخصية مسرحية، بل يشعر في لحظات كثيرة أنه أمام امرأة تفتح صفحات من حياتها على الملأ.
أما الموضوع الذي تطرحه «درجة تانية»، فلا يمكن القول إنه جديد بالكامل. سبق أن اقتربت أعمال فنية ومسرحية من مساحات مشابهة، وهذه حقيقة لا ينتقص الاعتراف بها من قيمة العمل. فالجِدّة ليست دائماً في الفكرة نفسها، بل في القدرة على إيصالها. ومن هذه الناحية، أصابت المسرحية هدفها بشكل جيد جداً، ونجحت في أن تجعل رسالتها تصل من دون أن تضيع في الطريق.

إخراج شادي الهبر كان من العناصر الواضحة في العرض. هناك رؤية يمكن ملاحظتها في إدارة المشهد، وفي حركة الممثلين، وفي الإيقاع والانتقالات والتفاصيل التي لم تُترك للصدفة. وهذا أمر يستحق التوقف عنده، خصوصاً أننا في الفترة الأخيرة شاهدنا عروضاً لم يكن فيها حضور المخرج واضحاً بما يكفي. في «درجة تانية»، تعرف أن هناك من يقود الخشبة ويعرف إلى أين يريد أن يأخذ المتفرج.
أما نص ديمتري ملكي، فلا غبار عليه كالعادة. نص يعرف متى يتكلم ومتى يترك للصمت مهمته، ويوازن بين الحكاية ورسالتها من دون أن يحوّل المسرح إلى خطاب مباشر. وهذا النوع من الكتابة هو الذي يسمح للممثل بأن يعيش الجملة، لا أن يكتفي بقولها.
وحضور غسان قوجا شكّل بدوره إضافة ذكية للعمل، رغم عدم ظهور وجهه. فالممثل قد يصنع حضوراً من دون أن يكون موجوداً بالصورة التقليدية أمام الجمهور، وهذا ما حدث هنا. حضوره كان جزءاً من اللعبة المسرحية ومن عالم العرض، وأثبت أن المساحة التي يتركها الفنان في المشهد لا تُقاس دائماً بعدد الدقائق أو بحجم الظهور.
لكن الذروة الحقيقية للعمل جاءت في نهايته.
هناك، للحظات، بدا وكأن المسرح توقف عن كونه مسرحاً. دموع سمر صالح لم تعد مجرد جزء من أداء شخصية، ودموع والدتها الحاضرة لم تكن تفصيلاً عابراً يمكن تجاوزه. بين الخشبة والمقاعد اختفت المسافة، وتحولت الحكاية التي تابعها الجمهور طوال العرض إلى شيء حقيقي يحدث أمامه.
ربما كانت هذه اللحظة من أجمل تفاصيل درجة تانية، لأنها لم تحتج إلى جملة كبيرة أو حركة إخراجية صاخبة. دموع ابنة تروي جزءاً من حياتها، وأم تعرف جيداً ماذا يعني كل ما قيل على الخشبة. نظرة، دمعة، وصمت حملا أحياناً أكثر مما يمكن أن تحمله صفحات من الحوار.
وفي تلك اللحظة تحديداً، فهمنا أكثر لماذا احتاجت سمر صالح إلى كل هذه الجرأة. لم تكن تروي حكاية شخصية ثم تغادر المسرح، بل كانت تعيد فتحها أمام والدتها وأمام جمهور كامل. وعندما وصلت الدموع إلى الطرفين، أصبح من الصعب معرفة أين انتهى التمثيل وأين بدأت الحقيقة.
وهنا تكمن قوة درجة تانية. قد تكون فكرتها مرّت أمامنا بأشكال مختلفة من قبل، لكن المسرح في النهاية لا يُقاس فقط بمدى جِدّة موضوعه. يُقاس أيضاً بما يتركه في المتفرج بعد إسدال الستارة.
ودرجة تانية، في لحظتها الأخيرة تحديداً، تركت شيئاً لا يحتاج إلى شرح: دموعاً حقيقية لحكاية حقيقية… على خشبة مسرح.
Photo by chris ghafary

