كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
لم يعد كسْرُ سعر صفيحة البنزين لحاجز الـ 30 دولاراً في الأسواق اللبنانية مجرد تفصيلٍ في حركة أسعار المحروقات، بل وضع علامة استفهام جوهرية حول الآلية والملاءمة الاقتصادية التي تعتمدها وزارة الطاقة والمياه في إصدار “جدول تركيب الأسعار”. فحين يدفع المواطن اللبناني هذا الرقم المرتفع من دخلٍ منهك، يغدو من حقه الأساسي أن يعلم كيف يُرسم الرقم النهائي، وما هي المعادلة الحسابية التي تحوّل سعر المشتق المكرر في البورصات العالمية إلى رقمٍ ملزم على شاشات المحطات المحلية.
من بورصة “Platts” إلى محطة الوقود: كيف تنتقل الكلفة؟
تستند وزارة الطاقة في تسعير البنزين (95 و98 أوكتان) إلى مؤشر “بلاتس” (Platts) العالمي المخصص لنشرة أسعار المشتقات النفطية المكررة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ولكن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاعتماد على مرجع عالمي موثوق، بل في “فترة الاحتساب” (Averaging Period) وطريقة تطبيقها، فضلاً عن كيفية عكس التراجعات العالمية على جدول الأسعار المحلي بمرونة ووضوح.
إن المعادلة الافتراضية الشفافة التي يفترض أن يتضمنها أي جدول تركيب أسعار متكامل تتألف من العناصر التالية:
- متوسط السعر العالمي للمشتق المكرر (Platts): والمحتسب خلال فترة محددة ومُعلنة (سواء كانت 14 يوماً أو أسبوعاً).
- علاوة الاستيراد والكلف البحرية (Premium & Freight): وتشمل أجور الشحن البحري، التأمين، والتفريغ في التناكر والفضّ.
- الضرائب والرسوم المالية الحكومية: بما فيها الرسم الجمركي وضريبة القيمة المضافة (TVA).
- هوامش وعمولات السلسلة المحلية: حصة شركات المستوردين (APIC)، عمولة النقل والموزعين، وهامش ربح صاحب المحطة.
أين الشفافية؟ مقارنة بالموديل الأردني والإقليمي
تُظهر الممارسات الإقليمية في دول الجوار، وعلى رأسها وزارة الطاقة والثروة المعدنية في المملكة الأردنية الهاشمية، نموذجاً معلناً يتسم بالشفافية الكاملة؛ حيث يتم نشر النشرة الأسبوعية المفصلة لمعادلة التسعير، مع بيان متوسط سعر طن البنزين عالمياً وكيفية إضافة الرسوم الثابتة والمتغيرة عليه بشكل يتيح للرأي العام والمؤسسات الرقابية إعادة احتساب السعر والتحقق منه.
في المقابل، يقتصر ما يُنشر في لبنان غالباً على النتيجة النهائية الصادرة عن المديرية العامة للنفط، دون إتاحة التفاصيل التقنية الدقيقة لوسائل الإعلام أو المواطنين، مما يترك الباب مفتوحاً أمام التساؤلات حول مدى انعكاس هبوط الأسعار العالمية بنفس السرعة والنسبة التي تتأثر بها عند الارتفاع.
كواليس تركيب الأسعار وهوامش أرباح الشركات والمحطات
تكشف مصادر اقتصادية ونفطية خاصة لموقع “Jnews Lebanon” عن تفاصيل دقيقة تحيط بجدول تركيب الأسعار الحالي:
- تأخير عكس التراجعات العالمية: تؤكد مصادرنا أن الاعتماد على متوسط زمني غير معلن بدقة يتسبب أحياناً في الفجوة بين انخفاض أسعار النفط عالمياً وتأخر ظهور هذا الانخفاض في المحطات المحلية، حيث تستفيد بعض الشحنات المخزنة من التسعير على الأسعار المرتفعة السابقة.
- ضغط كلفة النقل الداخلي والتأمين: شهدت عناصر الكلفة المضافة (Premium) ارتفاعاً ملحوظاً بسبب زيادة مخاطر الشحن البحري في شرق المتوسط، دون أن توضح وزارة الطاقة النسبة المئوية الدقيقة لهذه الزيادة ضمن الجدول الداخلي.
- مطالبات بإعادة توزيع الهوامش: تحث أوساط قطاع المحطات والموزعين على إعادة هيكلة الهوامش المحددة بالدولار والليرة، لضمان استمرار عمل المحطات الصغرى دون إلقاء أعباء إضافية على المستهلك النهائي.
- مبادرة نيابية وخبراء للشفافية: تتجه مجموعة من الخبراء الاقتصاديين بالتنسيق مع نواب في لجنة الطاقة البرلمانية لمطالبة وزارة الطاقة بنشر “دليل المنهجية الرسمية لتسعير المحروقات” بشكل دائم على موقعها الإلكتروني.
“خبير اقتصادي لـ Jnews: التسعير المستدام لا يعني رخص السلعة فقط، بل يعني قناعة المواطن بأنه يدفع الكلفة الحقيقية العادلة دون أي زيادة غير مبررة في الهوامش أو الرسوم.”
- مع تخطي سعر صفيحة البنزين حاجز الـ 30 دولاراً، لم يعد القبول بـ “النتيجة الرقمية الصماء” جائزاً. إن إصلاح قطاع المحروقات يبدأ من حق المعرفة؛ والكرة اليوم في ملعب وزارة الطاقة والمديرية العامة للنفط لإعلان المنهجية الكاملة والمعادلة الحسابية للعموم، تماشياً مع معايير الحوكمة والشفافية وحماية المستهلك.

