بعد سبع سنوات من التوقف، يفتح ملف القروض السكنية نافذة أمل جديدة أمام ذوي الدخل المحدود. فمشروع موازنة 2027، الذي بدأ مجلس الوزراء بدرسه، يتضمّن للمرة الأولى منذ توقّف قروض المؤسسة العامة للإسكان تخصيص 60 مليون دولار للمؤسسة، في خطوة قد تعيد إطلاق عجلة الإقراض السكني، بعد أعوام من الجمود الذي فرضته الأزمة الماليّة.
وتكتسب الخطوة أهميتها، رغم محدودية المبلغ قياساً إلى حجم الحاجة، ليس فقط في قيمة التمويل المرصود، بل بإعادة توجيه القروض نحو فئة من اللبنانيين باتت إلى حدّ كبير خارج السوق العقاريّة، بعدما تحوّل الحصول على تمويل سكني إلى تحدٍّ يفوق قدرتها، وإلى حلم مؤجّل لكثير من الشباب اللبناني. وفي ظلّ عدم تمكّن بنك الإسكان من تلبية حاجات ذوي الدخل المحدود بالشكل الكافي، ووجود شروط لا تنسجم مع قدرة هذه الفئة على الاستفادة من القروض، تبرز أهميّة إعادة تفعيل دور المؤسسة العامة للإسكان. فالمسألة لا تتعلق فقط باستئناف برنامج إقراض متوقف، بل بإعادة فتح باب التملّك أمام فئات حُرمت منه لسنوات.
مقترح المؤسسة يصل إلى المالية
انطلقت فكرة إعادة إطلاق القروض من المؤسسة العامة للإسكان، في ظلّ عدم قدرتها في المرحلة الراهنة على الحصول على تمويل من الخارج، ما استدعى البحث عن تمويل حكومي يعيد تحريك عملية الإقراض السكني. وفي هذا الإطار، أعدّت المؤسسة مقترحاً متكاملاً، حمله مديرها العام المهندس روني لحود ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد إلى وزير المالية ياسين جابر. وبعد دراسة المقترح، أبلغ جابر أنّه سيخصص مبلغاً للمؤسسة في الموازنة العامة، وهو ما تُرجم بإدراج 60 مليون دولار في مشروع موازنة 2027، بهدف إعادة إطلاق عملية الإقراض السكني اعتباراً من العام المقبل.
القرض بالدولار والسقف 100 ألف
اما بشأن عملة القرض، وهي الإشكاليّة التي رافقت ملف الإقراض السكني منذ انهيار سعر صرف الليرة، فيوضح لحود في حديث لـ “لبنان 24” أنّ القرض سيُمنح للمواطن بالدولار، على أن يتم تسديده بالدولار أيضاً. ويستند هذا التوجه إلى طبيعة المداخيل “إذ أنّ جزءاً كبيراً من مداخيل القطاع الخاص أصبح بالدولار، فيما تُحتسب رواتب موظفي القطاع العام وتُدفع وفق سعر الصرف المعتمد، وبالتالي فإنّ الدخل الفعلي للمواطن أصبح مرتبطاً بالدولار”.
وفي ما يتعلّق بشروط الاستفادة، يؤكّد لحود أنّ من سبق له الحصول على قرض من المؤسسة لن يكون مؤهلاً للاستفادة مجدداً، كما أنّ من يملك شقّة أو وحدة سكنية، هو أو زوجته، لن يكون مشمولاً بالبرنامج. أما سقف القرض السكني المقترح فيبلغ 100 ألف دولار، مع تخصيص جزء من التمويل لقروض الترميم. ويشير لحود إلى أنّ شروط الاستفادة ستبقى، شبيهة بتلك التي كانت تعتمدها المؤسسة سابقاً، وفي مقدّمها أن يكون المستفيد من ذوي الدخل المحدود. أمّا الفائدة المقترحة فتبلغ 3.5 في المئة، في حين أنّ آلية التسديد النهائيّة وشروط الدفع لا تزال قيد الدراسة.
الدولة تقرض والمصارف وسيط
وتبرز هنا مسألة دور المصارف في عملية الإقراض، وما إذا كان وضعها الحالي يمكن أن يشكّل عائقاً أمام إعادة إطلاق القروض. إلا أنّ لحود لا يرى في ذلك إشكاليّة، موضحاً أنّ “الجهة التي ستمنح القروض هنا ليست المصارف، بل الدولة” وبذلك، لا ترتبط عودة القروض بقدرة المصارف على توفير التمويل، بل بالتمويل الذي ستخصصه الدولة للمؤسسة، فيما يقتصر دور المصارف على الوساطة وتنفيذ عملية الإقراض وفق الآلية التي ستُعتمد.
الـ60 مليون دولار.. بداية
ولا يقتصر الرهان على التمويل الحكومي وحده، إذ إن تخصيص مبلغ في الموازنة من شأنه أن يشجع الصناديق والجهات الخارجية على إعادة توجيه التمويل إلى المؤسسة العامة للإسكان، وبالتالي إلى شريحة ذوي الدخل المحدود. إلا أنّ الظروف الإقليميّة لا تزال تلقي بثقلها على هذا المسار. وبحسب لحود، فإن “مختلف الصناديق أبدت تجاوباً معنا، وإن لم تُترجم هذه المواقف حتى الآن على أرض الواقع” معرباً عن أمله في أن تبدأ هذه التوجّهات بالترجمة العمليّة اعتباراً من العام المقبل. أما مبلغ الـ60 مليون دولار، فيصفه لحود بأنه “مرحلة أولى وبداية”، آملاً أن تكون خطوة مستدامة تسمح، مع تحسّن الظروف الإقليميّة والدوليّة، بزيادة التمويل لاحقاً “بالتأكيد، لن نعطي قروضاً لسنة واحدة ثم نتوقف”، مشيراً إلى أنّ المبلغ يشكّل نقطة انطلاق، وأن المفترض أن يموّل المشروع نفسه ويؤمّن استمراريته.
الإسكان محرّك لعشرات القطاعات
ولا يرى لحود أنّ أهمية إعادة إطلاق القروض تقتصر على تأمين التمويل السكني، بل تتجاوز ذلك إلى تحريك مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصاديّة المرتبطة بالإسكان “عندما يتحرّك قطاع الإسكان، تتحرّك معه نحو 65 مهنة وقطاعاً مرتبطاً به” ما يجعل إعادة إطلاق القروض مدخلاً إلى تنشيط الحركة الاقتصادية.
بالمحصّلة، عودة القروض السكنية بعد سبع سنوات من التوقف، تمثّل خطوة أولى طال انتظارها، لكن الـ60 مليون دولار لا تزال في إطار مشروع موازنة 2027 قيد النقاش في مجلس الوزراء، قبل أن تنتقل الموازنة إلى مجلس النواب لإقرارها، ما يعني أنّ ترجمة هذا التمويل على أرض الواقع تحتاج إلى استكمال المسار التشريعي. ومع ذلك، فإنّ نجاح الخطوة لن يقاس فقط بحجم المبلغ المرصود، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى دورة إقراض مستمرة، تستعيد من خلالها المؤسسة العامة للإسكان دورها في تمكين ذوي الدخل المحدود من الوصول إلى السكن، وفي الوقت نفسه تحريك عجلة قطاع اقتصادي يتجاوز أثره حدود سوق العقارات.

